معركة “القصاص العادل” في دمشق: طبول الحرب تُدق

كلنا شركاء- كمال شيخو- دمشق

عائلة فلسطينية نزحت من مخيم اليرموك اثر اندلاع الاشتباكاتعائلة فلسطينية نزحت من مخيم اليرموك اثر اندلاع الاشتباكات

مع تلبد الغيوم في سماء دمشق وتساقط الأمطار فيها, ارتفعت أصوات مدافع الهاون وقذائف المدفعية وزفير الطيران خلال يومي الاربعاء والخميس وحسب ناشطين كانت الاعنف منذ معركة دمشق في صيف العام الماضي. سكان العاصمة اعتادوا ان يصحوا ويناموا على هذه الاصوات. أصعدة الدخان وأصوات أطلاق الرصاص اصبحت جزءاً من المشهد اليومي لسكان العاصمة.

تلك الزخات التي انهالت على أزقة دمشق واحيائها, حملت بين تساقطاتها توقعات لقرب اندلاع معركة ثانية في دمشق بعد اعلان الكتائب المسلحة في ريف دمشق عن معركة الملحمة الكبرى او “القصاص العادل” الثوار يقولون ستكون “معركة الحسم” بينما النظام يرد بأنه” سيفتح أبواب جهنم في حال فكر الثوار بدخول دمشق مجدداً”

*منطقة عازلة تفصل دمشق عن ريفها:

الاشتباكات المستمرة بين مقاتلي المعارضة المسلحة, والقوات الموالية للنظام, أجبرت الأخير بالتفكير لفرض منطقة عازلة بعمق 8 كلم لفصل مركز المدينة عن الريف الثائر. فاغلب أطراف المدينة ساخنة, المعضمية وجديدة عرطوز غرباً, الى داريا وكفرسوسة والقدم والحجر الأسود جنوباً, وقدسيا والهامة شمال غرب, وصولاً الى السيدة زينب وعقربا وبيت سحم ويلدا شرقا. انتهاءً بدوما وحرستا وبرزة البلد والقابون وركن الدين شمالاً.

فالنظام يحاول تأمين مناطق مشروع دمر وضاحية قدسيا ومساكن الحرس وجبل قاسيون والربوة، حيث تتمركز كبرى القطع العسكرية المحيطة بقصر الشعب. وانتشرت مئات الحواجز الامنية في قلب دمشق لتجنب وصول عناصر الجيش الحر الى داخل العاصمة.

محمد اسامة النصار(36-يعمل مترجماً) ناشط معارض من داريا. وصف أهمية قرب مدينته عن مركز العاصمة, والتي هي عصية امام تقدم دخول القوات الحكومية. في أحدى مقاهي دمشق القديمة تكلم بصوت خافت خشية سماع احد المخبرين هناك في حال وجد. قال” عملياً داريا هي أقرب الأرياف ل دمشق من جهة, ونشاطها الثوري نوعي من جهة أخرى. يحدها شمالاً مطار المزة العسكري مما يشكل خطراً على النظام في حال تقدم الثوار المسلحين, كونها قطعة عسكرية كبيرة وقوية. اضف لذلك وجود فرع المخابرات الجوية”

النظام السوري لم يقف متفرجاً امام زحف الثوار, فعمد تقطيع أوصال دمشق عن ريفها, من خلال انتشار الحواجز العسكرية في كل مكان. ويقدر الناشطين عددها بأكثر من300 نقطة تفتيش. وأصبح من الصعب اجتياز شارع واحد دون المرور بحاجز, سواء من قوى الأمن والشرطة من طرف, او من اللجان الشعبية التي تشكلت بإيعاز من المخابرات من طرف أخر؛ وتحويلها إلى مربعات أمنية صغيرة تحيط بالمربع الأمني الكبير في حي المهاجرين والروضة والمالكي وابو رمانة، حيث يقع قصر المهاجرين وقصر الشعب ومقرات تابعة للرئاسة.

 ورغم ذلك يخشى النظام من معركة جديدة قي دمشق, بعد اول معركة في شهر تموز الماضي والتي دارت في منطقة الميدان بقلب العاصمة بعد تفجير خلية الأزمة.

ويضيف اسامة ” أتصور أن النظام إذا قرر الانحسار في دمشق فهو قادر السيطرة على وسطها ولكن بالقوة العارية والفجة. وقتها ستصبح داريا خط دفاع أخير عن العاصمة وطالما النظام يملك الأجواء ولازال بإمكانه استعمال المدنيين كدروع بشرية عند الاقتحامات؛ أعتقد يمكنه أن يسيطر على داريا أو على أي منطقة بهذه الطريقة, مما يعني ان كفة النظام ستكون هي الرابحة؛ إلا إذا حدث تغيير نوعي في شروط المعركة لصالح الثوار, وكانت هناك إمدادات عسكرية كافية, وقتها ستميل كفة ميزان المعركة لصالحنا”.

*ترقب لمعركة الحسم في دمشق:

خلال الأسبوع الأخير، راود شعور عام لدى سكان العاصمة باقتراب معركة جديدة في دمشق وتكهنات عن احتمال انحسار النظام عسكريا. فحجم الدمار والخراب الذي يًغرق البلاد ويخنق العاصمة، يعزز المخاوف بأن أزمة السوريين لن تنتهي في الأمد المنظور، فـالوضع الاقتصادي ينذر بكارثة؛ إن لم تكن قد وقعت فعلا! ما يعني استمرار الصراع,

محمد ابو عزاة- مسؤول المكتب الإعلامي لي لواء الفرقان. بداء حديثه عن طريق السكايب بالاعتذار” سامحونا ان أخطانا فنحن نموت لأجلكم” لبعض الأخطاء والتجاوزات التي ارتكبها عناصر الجيش الحر. يتمركز لواء الفرقان في ريف دمشق الجنوبي بالحجر الأسود ونهر عيشة(5 كلم جنوب مركز العصمة دمشق) هذا الحي يتوسط منطقتي القدم والعسالي شرقاً, وداريا وكفرسوسة غرباً, والكسوة جنوباً, والتضامن شمالاً. أكد محمد ان معركة الحسم في دمشق بدئت بالفعل عند اعلان معركة مطار دمشق ومحيطه وقال” المدة الزمنية باتت قريبه لمعركة الحسم, وقد بدأت العملية تقريبا بحصار المطار الدولي وقطع الطريق المؤدي اليه, ما ينذر انه أعلاناً في بدء معركة الحسم”

النظام  السوري لم يقف مكتوف الأيدي؛ فقد قام الأسبوع الماضي بتعزيز قواته على جبل المنارة وجبل قاسيون وفي منطقة الدريج (12 كلم- شمال – شرق دمشق) بارسال تعزيزات عسكرية, وتم نقل صواريخ بأعداد كبيرة إلى تلك المناطق، وبدأت الفرقتان التاسعة والخامسة بالانسحاب من محافظة درعا باتجاه دمشق، اما الفرقة الخامسة عشرة بدأت تنسحب من السويداء باتجاه دمشق أيضاً. بالإضافة إلى تأمين محيط مطار المزة العسكري مع تصعيد شدة القصف على مدينة داريا.

ويضيف محمد” دمشق العاصمة السياسية والعسكرية لسورية وتحريرها يعني سقوط النظام. ليبقى الفلول وسيتمم ملاحقتهم حتى القضاء عليهم او تسليم أنفسهم”.

وحسب الخرائط العسكرية لانتشار مناطق سيطرة الجيش الحر, يظهر أن غالبية مدن الغوطة الشرقية، ومناطق وأحياء جنوب العاصمة، باتت تحت سيطرة الحر. كما ينتشر الحر في الهامة وقدسيا دون سيطرة كاملة على تلك المدينتين. وينتشر الجيش الحر في أحياء الشمال الشرقي في حيي برزة والقابون، اللذين يشهدان اشتباكات عنيفة بين طرفي الصراع مع قصف متواصل دون إحراز أي تقدم لأي طرف.

ويؤكد محمد ان هذه المعركة ستنقسم الى ثلاث مراحل” الأولى حماية المدنيين والتي تختصر السيطرة على الكتائب التي تقوم بقصف المناطق بدمشق وإخلاء المناطق الساخنة من المدنيين. اما المرحلة الثانية: هي السيطرة على الجبال المحيطة بدمشق لاسيما جبل قاسيون اهم معاقل النظام الرئيسية ومركز الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الاسد شقيق بشار الاسد, التي تقصف بقوة مناطق انتشار الجيش الحر في دمشق وريفها. وستنتهي معركة الحسم بالمرحلة الثالثة التي ترتكز السيطرة على المطارات المحيطة بدمشق اهمها مطار المزة العسكري ومطار دمشق الدولي”.

* سكان دمشق يستبعدون معركة جديدة:

ابو باسل(68 سنة- مدير عام سابق متقاعد حالياً) قيادي سابق في حزب البعث الحاكم. وكان من الرعيل الأول من كوادر الحزب الفاعلة. يسكن في منطقة المزة فيلات غربية وهي احدى الاحياء الراقية في دمشق. كان يجلس على كرسي فاخر وأمامه طاولة زهر صنعت من الحجر الكريم الايراني. مكتبه مليء بتحف وقطع نادرة من روسيا والاتحاد السوفيتي سابقاً. مكتبته عجت بكتب حزب البعث وما نشر عن الرئيس السوري السابق حافظ الاسد الذي ترأس سوريا لثلاثين عاماً. شعره شاب وتجاعيد وجهه كثرة. كل ما سمع صوت قذيفة او مدفع هاون يقوم وينظر من الشباك, ثم يعود.

نفى توقع معركة جديدة في دمشق بعد معركة الثوار في حي الميدان الدمشقي في شهر تموز الماضي. قال” ماني شايف معركة حسم راح تصير في الشام. فيك تقول عندي أمل بحل سياسي قبل ما تحدث الكارثة اذا صحت”.

اما عن حال حزب البعث لما عليه الآن؛ والذي عمل فيه طيلة أربعة عقود. وتسلسل في مواقع قيادية, كما تقلد منصب مدير شركة هامة في دمشق, قال عنه” بالنسبة للحزب انا حزين لما آل اليه فهذا الحزب من 15 سنة وجاية تقريبا بعد ما كان حامل أساسي للشعب ولهموم المواطنين بأفكاره ومنطلقاته النظرية؛ أصبح مكان لكل المتسلقين والباحثين عن المال والسلطة والجاه للأسف. وباعتقادي ان الحزب ما لعب دور بالأزمة الحالية و لو كان حزب والو دور حقيقي باتخاذ القرار ما وصلت الأمور لهون”

أنهى كلامه بنظرة تشاؤمية  للماضي البعيد, فقد أمضى هذا الرجل أكثر من 40 عاما لخدمة الحزب الحاكم.

رشا ( 46 سنة- متطوعة في احدى الكنائس التي تقدم مساعدات اغاثية) استبعدت كليا حدوث معركة في قلب دمشق لقوة النظام لاسيما السلاح الجوي والاقوى عسكريا بيده. كانت تتحدث بثقة ويبدوا من ملامح وجهها سعادة بقوة النظام الامنية.

“بيستاهلوا” بهذه الكلمة بدئت حديثها واضافت” ارهابيين وقطاع طرق وحرامية هني ثوار, وهين راح يحرروا دمشق, كيف وشلون”

رشا مثلها مثل اغلب القاطنين في حي باب توما الملاصق لباب شرقي والمطل على حي الدويلعة وجرمانا. هذه مناطق غالبية سكانها مسيحين. لا يحبذون فتح حديث سياسي في منازلهم. وأضافت” النظام قوي وحيقضي على الإرهابيين”

دمشق والتي تعيش هذه الأيام ترقبا غير مسبوق، مع اشتداد المعارك في أحياءها وعلى أطرافها، وقربها لقلب العاصمة، بما سيقطع الشريان الوحيد المتبقي والذي يتنفس من خلاله النظام المتهالك. اذ يسعى الدفاع عن ما تبقى من وجوده ولن يدخر وسيلة في تدمير ما سيكن من تدميره قُبيل رحيله على غرار ما فعل في جميع المدن السورية الأخرى.

حيرة طفل وسط الدمار

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حيرة طفل وسط الدمار