|
عبد الرزاق دياب : قاسيون
|
|
01/ 07/ 2009 |
ربما يبتسم البعض الآن، والبعض الاخر يحاول أن لا تخرج من بين شفتيه دلالة يندم عليها، والآخر الذي يدرك إلى أين تسير الأمور أحس بأن قانون العمل الجديد هو لآخر المعاقل التي لن تحميه.
بعد طول انتظار وجهد، القانون من جعبة الحكومة إلى الاتحاد العام لنقابات العمال..اعتراض ثم موافقة، قلة من رأت فيه الفرج الذي تنتظره الطبقة العاملة، هللت له جهات القطاع الخاص، و تحفظت على جزء كبير منه قيادات الطبقة العاملة، وبينهما ملايين العمال في مهب( الانتظار).
ستمر في ذاكرة (أبو قاسم) الأيام الأولى لتعيينه بـ 900ليرة، وأبو حسام صديقه بـ850ليرة، والإجازة السنوية 15 يوماً، وإعانات الوفاة والزواج، السلف التي كانت تشبه الذل والانكسار، مع أنها ليس من أموال الزكاة وإنما تقطنع من راتبه على أقساط عديدة، وقبل خمس سنوات تعرض(أبو حسام) لأزمة قلبية اضطرته لاستعمال إجازاته المرضية، ثم قرر الأطباء أن يجروا له عملية قلب مفتوح، المشفى الذي يتبع له قال إن العملية من العمليات الكبرى، وتحتاج إلى مشفى خاص.
بعد أكثر من 25 من العمل في خدمة الدولة، لم تستطع أن تؤمن له عملية على حسابها تنقذ حياته التي أفناها كما يقول تحت الباصات، وفي الشحم، زيوت المحركات، أصلح أبو حسام سيارات العمل وسيارات المسؤولين، لم يكن يذهب إلأى البيت دون أن تكون الآلية على أكمل جاهزية، فتش المسكين جيوبه وجيوب أبنائه، وما تخبئه زوجته، ولكن...استنجد الرجل بجمعية خيرية، واستدان ما تبقى من المبلغ الكبير.
لحسن الحظ أم لسوئه عاش ابو حسام حتى الآن ولم يمت، مع أن هذا النوع من العمليات خطير ونسبة النجاح فيها قليلة، يبدو أنه عاش ليشهد ولادة قانون العمل الجديد، لكن أبو حسام قدم منذ أيام استقالته بعد خمس سنوات من العملية الجراحية وثلاثين عاماً من الوظيفة.
ابو حسام يرى أن لا فائدة ترتجى من بقائه، ليصل الستين من عمره إن وصل لن (تفرق) سوى 1000ليرة، وهذه سيدفعها أجرة مواصلات.
يأتي قانون العمل الجديد وعمال 14 شركة كبرى ينتظرون أن تغلق شركاتهم، 14شركة أفلست وغرقت في الخسائر والديون، ولم تعد قادرة على دفع رواتبهم، وتتوسل وزارة المالية والحكومة لمساعدتها، والحكومة تهدد برفع يدها إن لم نستطع الشركات القفز على واقعها الخائر واستعادة ما يمكن من خسائر، والعمال المساكين سيوزعون على الشركات التي في طور ذهابها إلى الخسارة.
عمال القطاع الخاص وهم الرقم الأكبر في شريحة الطبقة العاملة وربما يعدون ضعف عمال العام، سيدفعون الثمن باهظاً في ظل القانون الجديد، العقد شريعة المتعاقدين، وأية شرعة للخاص غير المصلحة، الربح، والأدهى أن سنوات من محاولة إقناع أرباب العمل الخاص بان فكرة التأمين على العامل ليست بالفكرة السيئة، بل إنها تنعكس خيراً عليه قبل العامل، لأن القطاع الخاص يرى أن الدولة تأخذ منه أكثر مما تستحق، لذلك يترك العامل ليكون قوة امتصاص الضغط المتبادل مع الحكومة.
معامل القطاع الخاص المغلقة على عامليه، إصابات العمل التي تقعد العامل في البيت حتى الموت مقابل بعض الزكاة من أموال (الحجي)، الاعتماد على النساء في العمل الشاق كيد عاملة رخيصة وليس بامكانها أن تدافع عن نفسها، استعمال الأطفال في المعامل والمشاغل المغلقة، لعبة الرشى المتبادلة بين موظفي التفتيش وأصحاب العمل، الظروف غير الصحية لعمال المهن القاتلة، المكاسر، الدباغات، بطاريات السيارات، بخار الألمنيوم، المهن التي تأكل الأصابع والأيدي، وتصنع العاهات مقابل تعويض ودعاء بالشفاء.
الاستقالات المسبقة، عقود الاذعان، فترات الاختبار، إخفاء العمال في الأقبية، الرواتب المسجلة لدى التأمينات كحد أدنى من الأجور، السرطانات والربو لعمال الرخام والحجر في ورشات القص، أي قانون سيأتي لن يحمي أولئك الذين يعيشون دون حماية، وتحت مقصلة الرغيف.
عبد الرزاق دياب : قاسيون
|