|
01/ 07/ 2009 |
"الأبرش يعلن إيقاف مشروع قانون الأحوال الشخصية بدلاً من رئاسة الوزراء!" .. عنوان ورد في موقع "كلنا شركاء" نقلاً عن صحيفة تشرين، خلال تغطيتها لجلسة مجلس الشعب المنعقدة في يوم الثلاثاء 30/6/2009 ...
عنوان رئيس وكمّ كبير وصحيح من الانتقادات والتساؤلات المشروعة، تمحورت حول الإعلان وكيفيته وماهيّته، وما يهدف إليه وما يمكن أن يخبئه... لكن أهمها لم يوجه بعد...؟
ما الهدف ..؟ لمن المصلحة ..؟ ما مدى تغلغل الفكر الظلامي في أجهزة الدولة السورية ..؟ لماذا السكوت أو التجاهل من قبل رئاسة مجلس الوزراء..؟ ما هي حقيقة آراء السادة ممثلينا في مجلس الشعب المستقلين أو الجبهويين عدا عن التصريحات العلنية من الدكتور محمد حبش والحزب السوري القومي الاجتماعي في الشام ..؟
تتحفنا وسائل الإعلام المختلفة الرسمية منها وشبه الرسمية بأخبار متلاحقة عن تسريح عدد من العاملين في الدولة لأسباب تمس النزاهة .... فماذا عن العاملين في الدولة الذين أعدوا وقدموا مشروع الفتنة والتفتيت الطائفي والمذهبي ..؟ ولمَ السكوت من رئاسة مجلس الوزراء رغم عديد الانتقادات والتساؤلات والرفض للمشروع ..؟
ثم عنوان جديد في اليوم التالي مباشرة : "عطري يدحض ما قاله الأبرش: مشروع قانون الأحوال الشخصية لا يزال ورقة عمل" ... نقلاً عن وكالة الأنباء الرسمية "سانا" التي غطت ذات جلسة مجلس الشعب المذكورة بتاريخ 30/6/2009 إنما كان الخبر عن الجلسة المسائية ... وقد أوردت الوكالة "وقال المهندس عطري في معرض إجابته حول ما أثير عن مشروع قانون الأحوال الشخصية أن فكرة تعديل القانون ظهرت قبل ثلاث سنوات في إطار خطة متكاملة لتعديل عدد من القوانين وتحديثها بشكل ينسجم مع المرحلة الراهنة لافتا إلى أن وزارة العدل شكلت فرقاً متخصصة لإعداد ورقة عمل حول التعديلات الواجب إجراؤها على القانون الحالي ........ وأضاف رئيس الوزراء إن مشروع القانون لا يزال ورقة عمل ولم تعرض هذه الورقة على مجلس الوزراء حتى الآن وأنه سيتم رفع الصيغة النهائية للمشروع إلى مجلس الشعب لمناقشته وإقراره بعد أخذ رأي جميع الجهات المعنية".
حسناً...
يحق للسلطة التنفيذية الإعلان عما هو من صميم مهامها وعملها وبطريقة توحي أن ليس من الممكن لمن يشاء انتقاد مشروعات قوانين لم تتقدم بها رسمياً بعد .... هذا ما استخلصته من كلام السيد رئيس الوزراء .
إنما ..!
يحق لنا كمواطنين أن نطلب من السيد رئيس الوزراء عدم استغبائنا ... أو استغباء الآخرين ، فما كان يدور في الكواليس ليس مجرد "ورقة عمل"، كما أسماها، بل إنه مشروع متكامل كان في سبيله للإقرار لولا "تسربه" ....
إنه مشروع قانون متكامل يحمل /665/ مادة ضمن أبواب متعددة، وهذا أيها السيد رئيس مجلس الوزراء ليس ب "ورقة عمل"، تصحيحاً لمعلوماتك لأنك إنسان، والإنسان معرض للخطاً، فكيف إن كان من نوع الأخطاء التي يفترض ألا تكون أو تحصل ...؟
نعلم أنه كان من المفروض أن تقوموا بطي ورفض وعدم قبول المشروع كاملاً، لأنه مشروع مخالف للدستور وللاتفاقيات التي وقعت عليها الجمهورية العربية السورية، بصفتكم مسؤولون عن تنفيذ التوجهات العامة لسياسة الدولة والدستور والقوانين والاتفاقيات و.. و... ...
هذا ما نعلمه، فهل أنه خطأ ....
ونعلم أيضاً أن من واجب مجلس الشعب ممثلاً برئيسه القيام بتمثيل عموم المواطنين، وتبنى آراءهم، والقيام بواجبه في إيقاف مشروعات التهديم لا مساندتها.. وهذا ما قام به السيد الأبرش ..
يمكن لنا، بل إن من واجبنا، مطالبة الحكومة ببيان الحقائق ... ومن واجبنا سؤال السيد رئيس الحكومة عن سبب محاولة إيهام المجموع أن ما قام بتوزيعه إلى الوزارات وبعض الهيئات "لإبداء الملاحظات إن وجدت" عبارة عن مجرد "ورقة عمل" .... فليس من الممكن وجود تناقض بين عضوين من أعضاء القيادة القطرية، أحدهما يعلن صراحة عن إيقاف المشروع كما ورد صراحة في صحيفة تشرين، والثاني يقول " إن مشروع القانون لا يزال ورقة عمل ولم تعرض هذه الورقة على مجلس الوزراء حتى الآن "
صحيفة "تشرين" صحيفة رسمية، ووكالة "سانا" رسمية كذلك ... رئيس مجلس الشعب يمثل السلطة التشريعية، رئيس مجلس الوزراء رئيس السلطة التنفيذية ... و"ما بين حانا ومانا طقت لحانا" ...
أتعبتم أنفسكم وأتعبتمونا معكم أيها السادة .... الخطاً واضح وبيّن، وحق التقدم في العمر بيّن وواضح... ومن يجد بنفسه الارهاق والتقدم في العمر وعدم المقدرة على مواجهة آفاق المستقبل ومواجهة الحقائق، فيتوجب عليه الصراحة مع ذاته كما هي مستوجبات الحضارة، والانسجام مع الواقع.
كمّ كبير من التساؤلات يطرحها التناقض الموجود، ومن الممكن أن يقودنا هذا الكمّ إلى الكثير الكثير من الاحتمالات .. وهذا ما يحتاج التالي :
1 – إعلان صريح من رئاسة مجلس الوزراء لا يقبل اللبس حول هذا الأمر، يوضح إذا تم رفض هذا المشروع، والبدء بمشروع جديد كليا، والإفصاح عن أسماء اللجنة الجديدة ....... أم أن الأمر غير ذلك.
2 – تفعيل دور الهيئة العامة لشؤون الأسرة.
3 - التوقف عن منهج السرية في أعمال الحكومة وتصرفاتها.
4 – العمل الفعلي بمبدأ التشاركية ومفهوم دولة المؤسات لا التقول بذلك فقط.
5 – أكرر ما سبق المطالبة به مني ومن الكثيرين، بنشر أسماء أعضاء اللجنة المكلفة بالقرار رقم /2437، تاريخ 7/6/2007 من قبل رئيس مجلس الوزراء صاحبة مشروع القانون، ومنع أعضاءها من ممارسة أي عمل له علاقة بالمسؤولية الوظيفية والتشريعية يمس الصالح العام، مهما كان نوعه. وإعفاءهم من أية مسؤولية وظيفية حكومية حالية يمارسونها نظراً للأذى الفعلي الذي مارسوه بحق الوطن والمجتمع. وتوجيه الاتهام لهم بهدر المال العام نتيجة عملهم مدة سنتين تقريباً بما يخالف أحكام الدستور.
6 - أكرر أيضاً ما سبق المطالبة به مني ومن الكثيرين، بمحاسبة أعضاء اللجنة بتهم خرق الدستور السوري ومحاولة بث التفرقة الطائفية والمذهبية بين أبناء الوطن الواحد، بل وكل من كان متواطئاً بالفعل أو بالقول أو بالتغاضي، لأن من لا يعلم مدى تأثير ذلك المشروع الظلامي السلبي على الدولة والمجتمع لا يحق له البقاء في مركز المسؤولية، انطباقاً للمبدأ القائل : فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ...
إن المسؤولية مسؤولية وطن، ومستقبل ... فلا يكفي تصريحاً صادراً من السيد رئيس مجلس الشعب يمكن اعتباره رأياً للسلطة التشريعية والرقابية، أو يمكن اعتباره بكل بساطة محاولة لإيقاف تصاعد الانتقادات العلنية والشفهية ...
ولا يمكن القبول بمحاولة لتمرير الوقت من قبل الحكومة تمهيداً لتمرير ذات المشروع بعد تغيير بسيط في بعض العبارات ..
فالموضوع أخطر...
أخطر لأنه يمس بالوطن، ومستقبل الوطن .. والأخطر هو تجاهل مدى تغلغل الفكر الظلامي التهديمي ضمن مستويات متعددة، لأن ما نشهده اليوم من تراجع كبير في مستوى الانتماء المواطني نحو انتماء قبلي ديني مذهبي، ما هو إلا نتيجة خطوات متتابعة وضمن خطىً ممنهجة.
والأخطر هو محاولات "الضحك على الدقون" التي لم تعد تجدي، لأن ما كان يصح في الماضي لا يمكن له الاستمرار حالياً أو مستقبلاً... فالوطن للجميع، ومسؤولية الوطن على عاتق الجميع.
ليس العدو من يحاربنا بالسلاح فقط أو من يحتل أراضٍ لنا بل أن العدو كذلك هو من الداخل، من يهدم وئيداً بشكل ممنهج ومن يتستر ومن يتجاهل ومن يقوم بتضييع الحقائق ... وأعداء الداخل متلونون، مستكينون عند الحاجة، إنما يعملون ويفعلون ...
لا يمكن التطوير بالكلام، ولا يمكن النهوض بالخطابات.
يكفي تمييعاً وتجاهلاً، ويكفي تهرباً من تحمل المسؤولية ... على الجميع اتخاذ القرار الصحيح والمشاركة فيه، فالمستقبل أمامنا، ولنا ... وهو مستقبل أبنائنا ووطننا .... لأن "إخفاء الحقيقة أشد خطراً من الكذب" .
إما أن نهدم أو أن نبني، ولا خيار آخر.
نزار صباغ
|