|
أمّة عظيمة وليس دولة عظمى! |
|
|
|
|
نصر شمالي (كلنا شركاء)
|
|
03/ 07/ 2009 |
تتميّز الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن غيرها من الدول العربية والإسلامية بصلابتها ومناعتها واستقلال إرادتها، وبالتالي بتنامي قوّتها واتساع حضورها في جميع الميادين، وبالطبع فإنّ الفضل في ذلك يعود إلى الثورة الإسلامية، غير أنّ الانتخابات الرئاسية كشفت عن وجود أوهام خطيرة متفشّية في بعض الأوساط الثقافية والسياسية المهمة، كما هو الحال في البلاد العربية والإسلامية عموماً، الأمر الذي يفسّر بعض الظواهر السلبية الداخلية والخارجية في المواقف الإيرانية، ولعلّ أوّل وأهمّ الأوهام هو ذاك الذي يتلخّص في شعار: "إيران أوّلاً"! وبالطبع فإنّ طرح مثل هذا الشعار الأجوف يوحي بأنّ هناك من يحنّ إلى "إمبراطورية" محمّد رضا البائسة البائدة، وإن من موقع العداء لرموزها ونخبها وأوساطها الحاكمة الفاسدة! وكذلك فإنّ طرح مثل هذا الشعار يشير إلى أنّ هناك من يخلط ولا يميّز بين وهم إقامة "الدولة العظمى" وبين حقيقة وجود الأمة العظيمة!
إنّ وجود الأمة العظيمة ليس مشروطاً ولا مقترناً بالضرورة بنهوض دولتها العظمى، أو "إمبراطوريتها"، حيث عظمة الأمة تأتي من إسهامها التاريخي الإنساني الإيجابي في بناء ذاتها وفي بناء جملة المجتمعات البشرية، وتأتي من تراكم خبراتها كمحصّلة ثمينة لتجاربها ولتجارب الأمم الأخرى، وتأتي من إبداعاتها المؤثّرة في ميادين العلوم والآداب والفنون، وبالتالي فلا ينال من عظمتها أنّها فقدت إلى حين دولتها العظمى، وانكفأت مؤقّتاً أمام جبروت الطغيان الأجنبي والوهن الداخلي، طالما أنّها تحتفظ بخصائصها المبدعة وتستند إليها في نضالها الدؤوب من أجل استرداد مكانتها اللائقة ودورها الإيجابي، والخصائص المبدعة للأمة الإيرانية، الخصائص الواقعية المعيشة وليس القديمة الميتة، هي خصائص الحضارة العربية الإسلامية تحديداً وبالضبط، فبفضلها صمدت الأمة الإيرانية وأخواتها على مدى خمسة قرون في مواجهة حروب التدمير الشامل التي شنّها الأوروبيون ضدّ الأمم الأخرى، وبفضلها احتفظت بعظمتها رغم جميع ما حلّ بها من أهوال وبؤس، وهاهي الصين العريقة العظيمة مثالاً بارزاً، وقد أوشكت أن تستردّ مكانتها ودورها في الحياة الأممية!
في المقابل، فإنّ قيام الدولة العظمى ليس مشروطاً ولا مقترناً بالضرورة بوجود الأمّة العظيمة، والولايات المتحدة الأميركية كدولة عظمى هي المثال البارز، حيث تشكّلت نواة هذه الأمة الجديدة من المجرمين والمغامرين، ومن المستوطنين الإباديين المتعصّبين للخرافات التلمودية والمتعطّشين للدماء، بحيث إذا تركنا جانباً إنجازاتها العلمية المادية العظيمة فسوف لا نجد خارج هذه الإنجازات سوى كلّ ما هو شائن وفظيع، سواء في بنية علاقاتها الداخلية أم في بنية علاقاتها الخارجية، لأنّ البنيتين نهضتا على ركام هائل من الجرائم الفظيعة والأفكار الفاسدة! بل حتى الإنجازات العلمية المادية الرائعة، التي هي في الواقع محصّلة اجتهاد وجهود جميع الأمم، توظّفها الدولة الأميركية العظمى لارتكاب أقبح الشرور والآثام! وهكذا فليس ثمّة أمّة عظيمة، بالمعنى الإنساني التاريخي، تستند إليها الدولة العظمى الأميركية، التي تريد من "يهوه" أن "يباركها" وحدها ولتذهب الأمم الأخرى جميعها إلى الجحيم!
نعود إلى الأمة الإيرانية فنقول أنّ المبالغات ليست في صالحها كأمّة مظلومة ومحاصرة، وأنّ الحديث عن إقامة "دولة عظمى" إيرانية، ولو إقليمية، ليس واقعياً، فمثل هذا الهدف غير متاح قطعاً في المدى التاريخي المنظور، وإذا تحقّق فسوف تجسّده مهزلة مصطنعة من طراز مهزلة الشاه إن لم تكن أقلّ، أمّا الواقعي والمتاح فهو الوجود القائم الفعّال للأمة الإيرانية العظيمة التي تواصل ما بدأته أخواتها العربيات والمسلمات على مدى القرن الماضي (توقّفت عن متابعته لأسباب معروفة ومفهومة ويمكن أن تعود إليه في أيّة لحظة) أي أنّ عظمة الأمة الإيرانية لا تكتمل، وحرّيتها لا تتحقّق وكرامتها لا تصان، إلاّ بتكاملها مع محيطها العربي والإسلامي، وبتواصل نضالها ضدّ الإمبراطورية الأميركية الباغية، وإذا كان ثمّة أمل بقيام دولة عظمى في هذه المنطقة، وهو هدف بعيد لكنّه مشروع وممكن، فإنّ مثل هذه الدولة لن تنهض إلاّ بتعاضد وتكامل الأمم المتآخية المنصهرة في البوتقة الحضارية العربية/الإسلامية.
نحن نعرف أنّ في إيران، مثلما في الدول العربية والإسلامية جميعها، أوساطاً قومية متعصّبة، وأوساطاً دينية متعصّبة، وأيضاً أوساطاً ليبرالية متعصّبة بدورها ويا للعجب، وهي الأوساط التي تقاطعت مصالحها مع الثورة في إسقاط النظام الشاهنشاهي قبل ثلاثين عاماً، وكذلك نحن نعرف أنّ الأفق التاريخي الواسع والمسار السياسي الأساسي للثورة الإسلامية لم يسمحا لأيّ من هذه الأوساط بالتفرّد والسيطرة والسيادة، لكنّ الثورة لم تنجح في وضع حدّ نهائي لنفوذ هذه الأوساط في السياستين الداخلية والخارجية، ليس بقمعها بوليسياً، بل بتجاوزها استناداً إلى برامج ثورية متقدّمة.
اليوم، في الداخل الإيراني، يبدو الأثر السلبي للتيارات المذكورة واضحاً، فمبادرات الرئيس نجّاد الاجتماعية، على إخلاصها وأهمّيتها، وكما برهنت وقائع الانتخابات، لم تكن هي العلاج الشافي لأوضاع عشرات ملايين الفقراء المهملين، المستمرّين في بؤسهم القديم إلى حدّ كبير، مثل إخوتهم في البلاد العربية والإسلامية! وفي الداخل أيضاً هناك الأثر السلبي الناجم عن مواقف المتعصّبين من مشاعر وحقوق الأقوام والمذاهب الأخرى، وهي الأقوام التي لا يصحّ ويستقيم نسيج الأمة من دون صحّتها واستقامتها! وبالطبع لم يقتصر الأمر على الداخل، فالسياسة والعلاقات الخارجية لأيّ بلد هي انعكاس لسياسته وعلاقاته الداخلية، وهكذا رأينا الأثر السلبي الخطير لموقف المتعصّبين من احتلال العراق، وهو الموقف الذي بدا متواطئاً، حتى أنّه أدّى إلى النيل من نزاهة ومصداقية الموقف الإيراني العظيم إلى جانب الشعب الفلسطيني!
غير أنّ أفق الثورة الإيرانية لا يزال رحباً، وهو الأفق الذي يمتدّ بعيداً مفسحاً لتحقيق تآخي الإيرانيين مع المستضعفين المظلومين في أفريقيا وأميركا الجنوبية، أي أنّ الفرصة التاريخية لم تفت بعد لتصويب المسار السياسي الأساسي للثورة في الداخل والخارج، وذلك لمصلحة الأمة العظيمة الحقيقية القائمة، وليس لمصلحة أصحاب فكرة "الدولة العظمى" غير الواقعية والضارة!
|