|
مسار تصغير الأمة : مؤتمر باريس 1913 |
|
|
|
|
د. ثائر دوري - سوريا
|
|
19/ 01/ 2010 |
|
هو خط فكري بدأ منذ بداية القرن العشرين مع "المؤتمر القومي" في باريس عام 1913، وتوج بتعاون الشريف حسين مع البريطانيين ضد الدولة العثمانية ومحاربتها تحت قيادة لورانس.
يمكننا إيجاز جوهر هذا الخط الفكري بنقطتين جوهريتين، النقطة الأولى هي القبول بالاندراج في سياق الترتيبات الدولية للمنطقة العربية، وذلك تحت ذرائع مختلفة أهمها: ذريعة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وعدم القدرة على مجابهة القوى الكبرى،وضرورة التعاون معها.
فـ"مؤتمر باريس" عام 1913، رغم أنه قد أطلق على نفسه صفة "القومي"، أعلن أنه يتحدث باسم "العرب العثمانيين" فقط، وبالتالي فهو تنصل من العرب الخاضعين للاحتلالات، والوصايات الغربية.
فبجرة قلم واحدة تخلى عن التفكير بمصير العرب الذين يعيشون غرب قناة السويس: مصر، وليبيا، وتونس، والجزائر، ومراكش، وعن عرب عدن، والكويت، الذين يعيشون شرق قناة السويس تحت الاحتلال البريطاني.
فعل المؤتمر هذا رغم أنه أعلن نفسه "قومياً عربياً"، ولم يجرد العروبة عن العرب الخاضعين للإحتلالات الغربية! ورد في وثائق المؤتمر أنه يعنى فقط بالعرب العثمانيين : "المقيمين في الولايات العربية العثمانية...... وهو لا يهتم في الحاضر ولا في المستقبل بشيء له علاقة بالولايات المشار إليها...."، ولحل هذا التناقض اخترع القائمون على المؤتمر تعبير "العرب العثمانيين".
وليس خافياً على أحد أن هذا التزاماً بالترتيبات الدولية للمنطقة العربية، وبشكل أكثر تحديداً للدولة العثمانية، التي صارت وشيكة الانهيار، واتفقت الدول الغربية الرئيسية على تقاسم ما تبقى من ممتلكاتها، فصار البحث جدياً عن الأدوات التي تساعد على تفتيتها، لذلك استخدموا الشعور الديني في البلقان (إسلام – مسيحية)، أما هنا، في "القسم العربي من الدولة العثمانية"، فيحب استخدام الشعور القومي لأن أغلبية العرب يدينون بالإسلام، مثل الأتراك.
وضع المشاركون في المؤتمر أنفسهم في الموقع الذي يلائم النظام الدولي سواء عن حسن نية أم بنية مبيتة، فهم لم يطرحوا برنامجاً شاملاً لإصلاح الدولة العثمانية، كما يفترض بأي مواطن ينتمي لدولة ما ويهمه مصيرها، إنما جعلوا مطالبهم جهوية و ألبسوها ثوباً قومياً، وهذا يتناسب تماماً مع مشاريع التهام الدولة العثمانية من قبل الغرب، لأن التفكير بنهوضها وإصلاحها ممنوع غربياً.
ومن جهة أخرى فإن الشعارات القومية التي طرحوها كانت توجب عليهم الالتفات إلى ثلثي العرب الواقعين تحت الإحتلالات الغربية في المناطق التي ذكرناها وهذا يعني اصطداماً بالنظام الدولي، وخاصة بمستضيفة المؤتمر وراعيته فرنسا.
وللقفز فوق المشكلتين اخترعوا تعبير "العرب العثمانيين"، أما حقيقة الأمر فإنهم قد جردوا أنفسهم من الصفة العثمانية بعدم اكتراثهم لمصير الدولة وتبنيهم مطالب جهوية، وجردوا أنفسهم من صفة العروبة بعدم اكتراثهم لمصير ثلثي العرب الواقعين تحت الإحتلالات الغربية، وبالتالي صاروا في وضعية مناسبة تماماً للمشاريع الغربية، فلا هم دعاة لحماية الدولة العثمانية وتجديدها، ولا هم حاملون للواء العروبة.
ومهما قيل عن استقلالية "المؤتمر" يبقى أنه عقد في باريس وتحت رعاية فرنسية، وعند نهاية أعماله قدمت لجنة تمثل المؤتمر تكونت من كل من: عبد الحميد الزهراوي، وسليم سلام، والشيخ أحمد حسن طبارة، ومحمد خليل بيهم، قدمت اللجنة نتائج المؤتمر إلى وزير الخارجية الفرنسي بيشون.
ومعلوم أن فرنسا لاعب أساسي في المنطقة في ذلك الوقت بالتشارك وبالتصارع مع بريطانيا، فقبل عام فقط من تاريخ انعقاد المؤتمر، في عام 1912 فرضت وصايتها على مراكش، وقبلها احتلت الجزائر وتونس، ومن قبل، زمن نابليون، حاولت احتلال مصر وبلاد الشام، كما أنها لا تخفي مطامعها في منطقة شرق المتوسط، ونفس الأمر يقال عن بريطانيا التي انتقلت إلى احتلال مناطق شرق قناة السويس كعدن التي احتلتها عام 1837، والكويت التي احتلتها عام 1912، دون أن ننسى مصر التي كانت محتلة قبل ذلك بوقت طويل.
ومع ذلك قبل المؤتمرون بهذه الترتيبات، الإحتلالات، ووعدوا بعدم المس بها، أي أنهم تخلوا أولاً عن عثمانيتهم بعدم اهتمامهم إلا بمصيرهم الخاص، ثم تخلوا عن ثلاثة أرباع العرب ورضوا أن يتحدثوا باسم الربع الباقي فقط لذلك كان يجب أن يسموا مؤتمرهم، مؤتمر ربع العرب!
وهنا أحب أن أنوه أن عدم التدخل بالمحيط العربي، الذي يطلبه "النظام الدولي" من القوى والأنظمة العربية، هو عدم تدخل باتجاه واحد، أي ممنوع أن تتدخل دولة عربية في شؤون دولة أخرى من أجل صالح العرب أو لنصرة عربي، أما إذا كان التدخل العربي لصالح الغربيين فهو مسموح بل ومطلوب.
وعلى سبيل المثال في الوقت الذي منعت فرنسا "العرب العثمانيين" من الاهتمام بمصير أخوتهم في الجزائر ومراكش، كما رأينا في "مؤتمر باريس" والتزم المؤتمرون بذلك، عادت في عام 1920 وجندت الجزائريين في جيشها الذاهب لاستعمار سوريا فسقط
الكثير منهم بنيران أخوتهم في سوريا.
النقطة الجوهرية الثانية في هذا الخط الفكري – السياسي هي الاعتماد على رافعة خارجية لإحداث تبدل داخلي.... لا ريب أن أوضاع العرب في الولايات العثمانية لم تكن على ما يرام، بل يمكن القول إنه لم يكن هناك ما يسر القلب بهذه الأوضاع ووضع الدولة العثمانية كله لم يكن على ما يرام و يسير من سيء لأسوأ.
لكن من قال إن أوضاع العرب الذين كانوا تحت السيطرة الغربية في مغرب الوطن العربي أفضل؟
بل إن أوضعهم كانت أسوأ بكل المقاييس، وبينما كانت الهوية العربية محفوظة ضمن الدولة العثمانية ولا خطر عليها من التذويب، كان العرب تحت السيطرة الغربية يتعرضون لتذويب منهجي: حضاري، وثقافي، وسياسي، مع إبادة جسدية إن أمكن، كما في الحالة الجزائرية.
فإذا رتبنا الأولويات نتساءل: أيهما أخطر على العنصر العربي في ذلك الوقت، الدولة العثمانية وتخلفها واستبدادها، أم الاستعمار الغربي وهمجيته التي تريد اقتلاع الحضارة العربية من جذورها؟
لسنا بحاجة لكبير عناء لنجيب عن ذلك، اسأل أي جزائري أو تونسي أو مصري يجيبك على الفور.. لماذا إذن تمت الاستعانة بالغرب على الدولة العثمانية؟
في "مؤتمر باريس" كان هناك من يستجدي التدخل الفرنسي، وآخرون يسعون لمد السيطرة البريطانية من مصر إلى بلاد الشام، وكان هناك وطنيون قلقون على مصير العرب في الولايات العثمانية وبعضهم ربما كان قلقاً على مصير الدولة كلها، برر الوطنيون تحالفهم مع أنصار "الحل الخارجي"، فرنسي و بريطاني، بالقول إن تحالفنا معهم يبقيهم ضمن مجال العمل الوطني فلو تركناهم لذهبوا بعيداً، لكن في
نهاية الأمر جاء "الحل" بالتدخل الخارجي.
هل يمكن اقتراح مسار بديل للتاريخ ؟
ربما نعم، أتساءل هنا لماذا لم يبادر حزب اللامركزية، الذي كان مقره مصر، وإليه ينتسب الشيخ عبد الحميد الزهراوي رئيس "المؤتمر القومي"، لماذا لم يبادر إلى بلورة برنامج يجمع عرب المشرق والمغرب ويفك الارتباط مع أولويات النظام الدولي، التي تتلخص في الخلاص من الدولة العثمانية واقتسام تركتها؟
إن ياسين الحاج صالح حين كتب مقاله "في مديح الخيانة" كان يتأمل في مصير بعض من أعدمهم جمال باشا عام 1916 وهو يرى، بعد مائة عام، أسمائهم تزين الساحات والكتب الدراسية، يقول ياسين:
((إن نظرنا إلى أنفسنا بعد مئة عام من "الخيانة"، فقد نتفاجأ بأننا لم ننجح في خيانة "هويتنا، كما كنا عقدنا العزم، بلى لقد نجحنا، لكن "الخيانة" غيرتنا، فلم نعد نذكر أو نفهم وطنيتنا الثقافية/هويتنا التي خنّاها، ولم نعد نفكر في أننا أخذنا قرارا بالخيانة لأنه تكونت لنا ذاكرة جديدة ووطنية جديدة و... كرامة مختلفة، صرنا نحتفل بعيد الخيانة دوريا، وصار خونة الأمس آباء مؤسِّسين، هل نتذكر، اليوم، أننا في 6 أيار من كل عام نحتفل بذكرى خونة شنقوا قبل تسعين عاما؟))
ولا أدري ما الذي جعل ياسين الحاج صالح يتبنى هذا التقييم العالي للذين شنقهم جمال باشا عام 1916 مع أن بعضهم (وليس كلهم) كانوا مجرد متعاملين مع السفارات الغربية.
لنتأمل نتائج ما صنعت أيديهم، ثم نسأل هل هناك ما يشجع على تكرار تجربة "الخيانة " كما أطلق عليها ياسين.
كان العرب حملة رسالة للبشرية كلها، ثم انكفؤوا إلى الرابطة العثمانية، وبعدها إلى الرابطة القومية بفضل "الأبطال"، ويا ليتهم حققوها، بل إن العطب والزيف كان موجوداً في مشروعهم القومي منذ اللحظة الأولى، كما رأينا عبر تبنيهم مصطلح "العرب العثمانيين" فكان الانكفاء قطرياً،
فات ياسين أمرً آخر، هو أن التاريخ لا يعيد نفسه مرتين إلا على شكل (مأساة / مهزلة).
أيضاً، تُستبدل شخوص 1916 الجدية بشخوص أغلبها هزلي….
انظروا حولكم
|