|
هل باستطاعة العنف حقاً أن يدافع عن الإسلام؟ |
|
|
|
|
مصطفى أكيول - صحيفة حرية اليومية
|
|
30/ 01/ 2010 |
اسطنبول، تركيا - وقع الأمر مرة أخرى للأسف. هاجم مسلم متطرف رجلاً غربياً عقاباً له على الاستهزاء بالإسلام. كانت الضحية هذه المرة رسام الكاريكاتير الدنمركي كيرت وسترغارد، الذي أشعلت رسوماته الخلافية للنبي محمد (ص) عاصفة حول العالم قبل خمس سنوات. دخل رجل صومالي الأصل يبلغ من العمر 28 سنة منزل الرسام قبل بضعة أسابيع وهو يحمل سكيناً وبلطة.
"سوف نثأر" صرخ، حسب الروايات، قبل إطلاق النار عليه من قبل الشرطة واعتقاله.
لحسن الحظ أن وسترغارد، الذي سنحت له الفرصة للهروب إلى غرفة محصنة داخل منزله، نجا من الموت. اعتبرت أنا كمسلم هذه الرسومات الكاريكاتيرية التي تصف النبي محمد (ص) وهو يلبس غطاء رأس على شكل قنبلة لها فتيل، عدوانية.
ولكنني أومن أيضاً أن التعرض للإهانة من جانب شخص ما لا يعطيك الحق بمهاجمته.
إلا أن أقلية من المسلمين يفكرون بأسلوب مختلف. بعد نشر رسوم وسترغارد في صحيفة "جايلاندز بوستن" في أيلول/سبتمبر 2005، وإعادة نشرها في 11 مجلة وصحيفة أخرى، أثبتت بعض ردود الفعل الإسلامية أنها متشددة وعسكرية. جرى حرق سفارات الدنمرك في كل من دمشق وبيروت وطهران من قبل المحتجيّن. كما تظاهر محتجون في لندن يحملون ملصقات كتبت عليها شعارات صارخة مثل "اذبحوا هؤلاء الذين يستهزؤون من الإسلام" أو "اقتلوا هؤلاء الذين يهينون الإسلام".
حسناً، يوجد تناقض غريب مثير للسخرية هنا. أليس كذلك؟ أولاً، يصوّر البعض من غير المسلمين الإسلام على أنه دين عنفي. بعد ذلك يقوم بعض المسلمين الغاضبين بأعمال عنف للاحتجاج على ذلك. أعمالهم هذه، بمعنى آخر، تثبت الانتقادات التي تقام ضدهم.
لذا من الضروري تنظيم هذه القضية ليس فقط من أجل حياة أناس مثل وسترغارد، وإنما كذلك من أجل هوية الإسلام. لذا دعوني أقدم لكم بعض الأفكار.
أولاً: إليكم هذا السؤال: لماذا تستحوذ فكرة الاستهزاء على النبي محمد (ص) وليس على غيره من الأنبياء (مثل إبراهيم وموسى) على هؤلاء المسلمين الغاضبين الذين يرغبون "بذبح من يستهزئ بالإسلام"، بل والأهم من ذلك، الاستهزاء بالله تعالى؟
نعم. تزخر الحضارة الغربية المعاصرة لسوء الحظ بمواضيع تستهزئ بالله تعالى والأنبياء اليهود والمسيحيين الذين يُعتبرون أنبياء في الدين الإسلامي كذلك. من وجهة نظر دينية بحتة، يجب اعتبار الإهانات لله تعالى أكثر الإهانات عدوانية. أما بالنسبة للأنبياء، فيجب احترامهم وتقديسهم جميعاً وبشكل متساوٍ، لأن القرآن الكريم يصف المسلمين بأنهم "الذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم" (152:4).
لا أحاول هنا القول أن الاستهزاء بالله تعالى أو الأنبياء يجب الرد عليه بالتشدد المسلّح. أتساءل فقط إذا كانت الحماسة وراء التركيز المطلق على النبي محمد (ص) متأصلة فعلاً في الإسلام. بالنسبة لي يبدو أنها متأصلة أكثر بنوع من الإسلام الوطني - الدفاع عن "نحن" و"ديننا" ضد "هم".
ثانياً، دعوني أطرح هذا السؤال: كيف يعرف هؤلاء المسلمين المتشددين الذين يريدون"ذبح من يهين الإسلام" أن هذا تصرف إسلامي؟
الجواب الشائع هو الإشارة إلى بعض القصص المتعلقة بحياة النبي محمد (ص) والتي تصف أحداث مثل إعدام أسيرين في الحرب كانا شاعرين ساخرين بعد معركة خاضها المسلمون الأوائل مع الوثنيين. إلا أن هناك طروحات قصص أخرى بأن النبي عفا عن دعاة سياسيين ضد الإسلام في عهده.
إضافة إلى ذلك فإن جميع هذه القصص حول حياة النبي (ص)، والتي كتبت أوائلها بعد قرن ونصف من وفاته، مليئة بالألغاز والتناقضات والأساطير، ويصعب أحياناً وضعها في المضمون الصحيح. أما ما ستعنيه هذه القصص في مضمون العالم الحديث فهو سؤال يشكل تحدّياً آخر. (فالنبي كان في نهاية المطاف رجل عهده).
من ناحية أخرى، فإن القرآن الكريم هو المصدر الوحيد الذي لا جدل حوله عند كافة المسلمين، وهو لا يحتوي على ما يقترح عقاباً دنيوياً للذين يستهزؤون من الإسلام. وهو يضم كذلك آية تأمر المسلمين: "إذا سمعتم آيات الله يُكفَر بها ويُستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيرهم إنكم إذا مثلهم أن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعاً". (140:4).
ما أراه هنا هو شكل حضاري من أشكال عدم الموافقة: لا يتوجب على المسلمين أن يكونوا جزءاً من طرح يستهزئ بالإسلام. كل ما يتوجب عليهم فعله هو البقاء بعيدين عنه. وحتى وقتها فإن ذلك يبقى حتى يتغير الطرح. وعند انتهاء الاستهزاء يمكن للحوار أن يبدأ. (بالمناسبة، هذه الآية مدنية، أي أنها تأتي من فترة كان المسلمون فيها يملكون قوة عسكرية).
إذا تمكّنا من تطبيق هذا المبدأ على العالم الحديث، نستطيع القول أن المسلمين يستطيعون مقاطعة اللغو المعادي للإسلام من خلال رفض الانضمام إلى الحديث وشراء الصحف والمجلات أو مشاهدة الأفلام التي تستهزئ من عقيدتهم.
وهذا هو كل ما هنالك. عدم الموافقة والمقاطعة هما ما يتوجب على المسلم عمله، وليس التهديد والعنف.
واقع الأمر هو أن الغالبية الساحقة من المسلمين يتخذون هذا الأسلوب السلمي المشكلة تكمن مع الأقلية المتطرفة التي تؤمن بتعظيم الإسلام عن طريق العنف. وهم لا يدركون أن تشددهم الجاهل يستهزئ من ديننا أكثر مما يستطيع أي رسم كاريكاتوري أن يفعله.
###
* مصطفى أكيول كاتب وكاتب عمود مركزه اسطنبول. تقوم خدمة الأرضية المشتركة بتوزيع هذا المقال بإذن من الكاتب.
مصدر المقال: صحيفة حرية اليومية، 5 كانون الثاني/يناير 2010
|