|
جديد الحوار الإسلامي – المسيحي |
|
|
|
|
السيد ولد أباه - الاتحاد الإماراتية
|
|
03/ 02/ 2010 |
صدرت مؤخراً عن "الفاتيكان" وثيقة مرجعية مقدمة للجاليات المسيحية في العالم الإسلامي (17 مليونا من بينهم 5 ملايين كاثوليكي حسب الوثيقة). والوثيقة التي تصل إلى ثلاثين صفحة مطروحة للتداول الحر بين مسيحيي الشرق، في أفق انعقاد مؤتمر جامع لأساقفة المنطقة في أكتوبر القادم يخصص للموضوعات المطروحة فيها.
وتتمحور هذه المواضيع حول "المخاطر "التي تواجه المسيحيين في العالم الإسلامي، بالتركيز على خطر "الإسلام السياسي" المتنامي في أغلب بلدان الدائرة العربية- الإسلامية، وتتوقف الوثيقة على الخصوص عند المعطيات التالية:
- التهديدات والمخاطر التي يواجهها المسيحيون في العراق نتيجة للحرب الدائرة داخلياً.
- أثر تنامي وصعود التيارات الإسلامية في مصر، مما انعكس في "الأسلمة اللاواعية للعقليات"، بحيث أصبح أقباط مصر "في خطر".
- نكوص وتراجع حركية العلمنة في تركيا، مما يهدد بالرجوع عن الفصل بين الدين والدولة، وبالتالي"يعرض" المسيحيين الأتراك للغبن والإقصاء.
- حركية اعتناق الإسلام في صفوف المسيحيين ،"لأسباب نفعية".
- أوضاع الجاليات المسيحية العاملة في الخليج من أصول هندية وفليبينية، التي تتسم حسب الوثيقة "بالسوء"(الاضطهاد وسوء المعاملة).
وتخلص الوثيقة إلى أن على الأقليات المسيحية أن تتجنب مسلكي "الجيتو المغلق" والهجرة المتنامية، وأن تسعى للتوحد والتآلف في ما وراء الخلافات العقدية القائمة بينها، وأن تسعى للتنسيق مع المسلمين المعتدلين الرافضين للتطرف والتعصب الديني.
بيد أن أهم محور في الوثيقة، هو ذلك المتعلق بالجانب النظري: "العوائق العقدية واللاهوتية في الإسلام التي تحول دون دمج المسيحيين في النسيج الوطني والاجتماعي".
وتتمحور هذه "العوائق" في إشكاليتين هما: المزج العضوي بين الدين والسياسة الذي يفضي إلى إقصاء المسيحيين من دائرة المواطنة، ورفض مفهوم حرية الوعي، وحق تغيير الدين الذي يحول دون انتشار المسيحية في البلاد الإسلامية.
والواقع أن هاتين المسألتين شكلتا محور رؤية البابا "بنيدكت السادس عشر" للحوار الإسلامي – المسيحي منذ اعتلائه منصة البابوية. وقد عالجهما في محاضرته الشهيرة بجامعة ريجنسبورج ، ودعا إلى مناظرة واسعة مع علماء الإسلام حولهما.
وقد عالج رجل الدين الكاثوليكي الأميركي "جورج فيجل "george weigel القريب من البابا هذه المسائل النظرية في كتابه "الإيمان والعقل والصراع الإيديولوجي ضد الجهاد" من منظور مقارن بين البنيتين اللاهوتية في الإسلام والمسيحية.
فبالنسبة له، تتركز خطوط التمايز بين البنيتين في ثلاثة محاور:
- تصور الإلوهية: فالإله في الإسلام يتميز بأنه مفارق للعالم والبشر، كامل الانفصال عنهما، لا مجال للحوار معه. أما الإله في النصوص المسيحية، فقد تجسد في الإنسان وأصبح "أبا" قريباً منه، و"كلمة" في شكل عقل طبيعي، مما يفسر كيف صدرت العقلانية الحديثة عن المسيحية، وكيف كرست حق الاختلاف.
- تصور علاقة الدين بالسياسة :ففي حين تزامن الدين والدولة، النبي والحاكم في الإسلام، فإن المسيحية نشأت كملة مضطهدة وعقيدة مرفوضة، ولذا يمكنها أن تتأقلم مع العلمانية، على عكس الإسلام.
- منزلة التشريع: ففي الإسلام يشكل التشريع القانوني محوراً رئيسياً لضبط سلوك الفرد والمجتمع من خلال نصوص ضابطة ملزمة، أما المسيحية فتقوم على فكرة "القانون الأخلاقي الطبيعي"، الذي يكرس التصور العقلاني الإنساني للقانون والتشريع.
تستدعي هذه الرؤية المناقشة الرصينة والهادئة في الفكر الإسلامي، وهو الجهد الذي لم يبذل لحد الساعة. ولنكتفي بتقديم الملاحظات المقتضبة الأربع التالية:
أولاً: يتعين على المسلمين والمسيحيين معاً الوقوف بقوة وحزم ضد نذر الفتنة الدينية المشتعلة في بعض الساحات (كما حدث مؤخراً في نيجيريا)، كما يتوجب على المسلمين العراقيين حماية إخوانهم المسيحيين الذين تعرضوا في ظل الاحتلال والفتنة القائمة إلى التصفية الإجرامية. بيد أن الحقيقة التي لا مراء فيها أنه لا أثر لصراع ديني بالمعنى الحقيقي بين المسلمين والمسيحيين في العالم الإسلامي.
ثانياً: من الخلف استنتاج النزعة الإنسانية والتصورات العقلانية الحديثة من البنية اللاهوتية المسيحية التي ارتبطت منذ تدوين الأناجيل الأولى بالتصورات الوثنية والفلسفية اليونانية. فلئن كان من الصحيح أن عقيدة التثليث والتجسد، قد أفضت في سياق حوار لاهوتي معقد حول شخصية المسيح وإرادته إلى بلورة مقولة "الذات الفاعلة"، إلا أن هذا التصور يختلف جذرياً عن مقولة الإنسان المالك لوعيه والمتحكم في ممارسته، التي هي أوضح في لاهوت الاستخلاف الإسلامي بالنظر لغياب مقولة الخطيئة الأصلية، وباعتبار القول باستقلالية الإنسان وجوداً ووعياً. فالمقاييس الإنسانية والعقلانية الحديثة لم تكن لتتشكل إلا بالقطيعة مع التصورات اللاهوتية والميتافيزيقية الوسيطة.
ثالثاً:من الخطأ النظر إلى الدولة الإسلامية الوسيطة كحالة ثيوقراطية من منظور المرجعية المسيحية لغياب شرطين أساسيين في الدولة الثيوقراطية: الشرعية الدينية للحاكم (في مقابل البيعة والعقد) ووجود المؤسسة الدينية (الفقيه شارح للنص لا قيم على الدين). فمع الإقرار بحالة اللاتمايز القائمة في المجتمعات الوسيطة كلها بحيث لم تتخذ السياسة مفهومها الخصوصي الراهن، إلا أن المقاييس الإسلامية كرست المبدأين الأساسيين في الدولة العلمانية الحديثة: نزع القداسة عن الدولة بصفتها حقل قوة وسلطة لا تجسيدا لعقيدة أو دين، وتأكيد حرية الوعي والمعتقد (لم تعتمد الكنيسة الكاثوليكية هذا المبدأ إلا عام 1964).
رابعاً: مع الإقرار بأن الإسلام وضع تشريعات تضبط بعض أوجه المعاملات الإنسانية، إلا أن هذه التشريعات ليست قوانين بالمفهوم الحديث، بل هي ضوابط رادعة محدودة أطلقت عليها تسمية "الحدود". وقد اعتبر علماء الإسلام أن الفقه "علم وضعي"، يدخل في باب الصناعة الإنسانية لا تشريعاً مقدساً، وإن استند لنصوص مرجعية خاضعة للتأويل في بعدي الاستثمار الدلالي والتنزيل السياقي.
وحاصل الأمر، أن إشكالات الحوار الإسلامي – المسيحي ليست لاهوتية نظرية، كما يرى البابا المتعمق في الثقافة الفلسفية واللاهوتية، حتى ولو كان من حق رجال الدين الخوض في هذه المسائل دون تحميلها أبعاداً سياسية مفتعلة.
|