|
خيري الذهبي: كتبت مسلسل (أبو خليل القبانـي) لأنفي تهمة الجهل عن بلاد الشام في القرن 19 |
|
|
|
|
بديع صنيج - تشرين
|
|
09/ 02/ 2010 |
ارتبط اسمه بمدينة دمشق التي ولد فيها عام 1946، كما التحم إبداعه بالتاريخ مادةً أعاد صياغتها في أغلب أعماله الروائية، ومنها ثلاثية التحولات (حسيبة)، (فياض)، (هشام).
التي تحدث فيها عن تناسخ الحضارة العربية منذ القرن الرابع الهجري، ورباعية (رقصة البهلوان الأخيرة)، (فخ الأسماء)، (لو لم يكن اسمها فاطمة)، (صبوات الياسين) والتي قدم فيها شهادته على النصف الأخير من القرن العشرين.
انتهى (خيري الذهبي) ابن حي القنوات من كتابة مسلسل تلفزيوني عن (أبو خليل القباني)، وكان ذلك انطلاقة حديثنا معه الذي تشعب في التعرف على بعض آرائه في الكتابة درامية كانت أم الروائية وعن دور التاريخ في أدبه عموماً، وموقفه من الكتابة عن الحاضر، فكان الحوار التالي:
رؤية جديدة
لماذا أبو خليل القباني الآن؟
بعد انهيارات كثيرة على المستوى الاجتماعي والسياسي والفكري والأدبي تحديداً، ابتعد الكتاب عن كتابة القضايا الكبرى، والجدل مع التاريخ، واكتفوا بالحديث عن الشخصي، بعيداً عن الوطن والأمة، وأحياناً تحولوا إلى الكتابة عن الجسدي أيضاً، وهذا الوضع أصابني بالأرق، وفي الوقت الذي اشتغل (أسامة أنور عكاشة) عن أسباب النهضة والتحولات الاجتماعية التي كان من الممكن أن تقفز بمصر إلى مواقع أفضل، لجأ بعض أنصاف المتعلمين إلى الكتابة عن عالم متخيل غير حقيقي، ولنقل بصراحة أن الإنسان العربي مهزوم أمام الكثير من قوى القمع، وهذا الإنسان الذي قُزم؛ عندما تقدم له صورة متخيلة على أنه السيد المطلق، والمثال الذي لا يخطئ، والمرأة خاضعة له، يكون ذلك بمثابة نوع من المخدر، هذا كله جعلني أعود إلى قراءة تاريخ القرن التاسع عشر، الذي كان له التأثير الحقيقي في تغيير المجتمع العربي بأكمله، بعد أن كان مغيباً عن قدراته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فـ(إبراهيم باشا) ابن (محمد علي) جاء إلى الشام، وواجهته مشكلة أن الشام يحوي تعددية في رؤاه الفكرية والاقتصادية والسياسية، وهي ممزقة جغرافياً وثقافياً، وهذا جعلها لا تقبل بنظرية واحدة، وحاول القضاء على ما استطاعه من القوى التي وقفت في وجه، واستطاع أن يعيد نوعاً ما تشكيل المجتمع، ونظرة الإنسان إلى نفسه على أنه مواطن وليس جزءاً من رعية، وأدخل الكثير من الزراعات والصناعات، لكنه في النهاية ترك الشام، وظنت الرجعية أن ما بناه (إبراهيم باشا) انتهى، والغريب أنه ما إن غاب حتى ظهر (أبو خليل القباني)، الذي انتقل من (كراكوز وعيواظ) الذي يعبر عن رؤية إسلامية للفن، ويقول مقولات مقولبة ومحفوظة مسبقاً، إلى تمثيل حقيقي برؤى جديدة تخرج من المسحة الغربية للمسرح إلى مسرح محلي مئة بالمئة، يعتمد الموسيقا والغناء ورقص السماح، مما جعل مسرحه الغنائي ينتمي للمألوفات العربية من السير الشعبية وقصص ألف ليلة وليلة، هذا المسرح الذي ازدهر في عهد المصلح (مدحت باشا)، فأحرقه خصوم المسرح، ثم ذهب (القباني) إلى مصر والتقى هناك مع المبدع (عبده الحمولي) وبدأ رحلته في الإسكندرية ومصر ليحرق مسرحه مرة أخرى، لكن هذا المسرح استمر من خلال تلميذ القباني (كامل الخلعي) الذي حرص على إحياء عدد من نصوصه المسرحية فأعاد نشرها، وكان من تلامذة (الخلعي) المبدع الكبير (السيد درويش). ولنعد إلى سؤال لماذا (أبو خليل القباني)؟ إنه تصدٍ لمحاولة خداعنا بأن القرن التاسع عشر لم يكن إلا حالة خمول، وما هو إلا امرأة ذليلة ورجل تافه، ولذلك أردت أن أقدم رؤية جديدة لذاك القرن الذي قدم عدداً من أهم الأسماء في عصرنا أمثال (عبد الرحمن الكواكبي)، و(أبو خليل القباني)، نعمان قساطلي، طاهر الجزائري، جمال قاسمي، وغيرهم، ولأنفي تهمة الجهل عن سورية وبلاد الشام في تلك الفترة.
هل عملك رد على المسلسلات الشامية؟
لا، فهذا الموضوع لا يعنيني.
أم هو رد على محاولة تشويه قرن جميل من التاريخ العربي هو القرن 19 أي أنك تحاول تصحيح الصورة؟
أحاول أن أنقل الصورة الحقيقية، ففي مسلسل (حسيبة) الذي يرصد النصف الأول من القرن العشرين، كان هناك الثورة على الاحتلال الفرنسي التي امتدت من شمال سورية إلى جنوبها، إضافة إلى مشاركة السوريين في حرب فلسطين، وحرب العراق أثناء ثورة (رشيد علي الكيلاني) بحثاً عن الاستقلال العراقي، كما تحدثت فيها عن مدن الواحات بقدرها الملعون، وهي عبارة عن محطات على طريق القوافل المنتشرة من ديار بكر إلى عسقلان، أي أن بلاد الشام كلها واقعة تحت القدر الذي جعلها لا تنتج إلا (الدكنجية) كزوج حسيبة ذو الأحلام الصغيرة، ولكنه في الوقت ذاته هو الذي ينتج الرجل ذو الأحلام الكبيرة. وفي روايتي (فخ الأسماء) و(صبوات الياسين) بحثت عن جذر الطاغية في العالم العربي، وحفرت عميقاً حتى وصلت إلى العصر المملوكي الذي صنع الوجدان العربي المعاصر، حيث أن كل شيء للسلطان ولا شيء للمواطن، الذي انتزعت منه الرعاية والحقوق والدين وكل شيء، وكان صاحب هذه الفكرة كلها رجل اسمه (ركن الدين بيبرس البندقداري) الذي صنع الوجدان المملوكي وبالتالي الوجدان العربي الحالي.
صلصال حار
في كل أعمالك هناك عودة للتاريخ، وأنت وصفت سابقاً كتابة الرواية التاريخية بأنها عكاز الكسول، وأن الإبداع الذي يتكئ على التاريخ قليل، لماذا اللجوء إلى التاريخ وعدم الكتابة عن الواقع؟
أنا أكتب عن الواقع دائماً، وأنا أستعين بالتاريخ لكتابة الواقع المعاصر، فالرواية هي فن الكتابة عن الفعل الماضي وليس المضارع، والكتابة هي تعامل مع صلصال حار، فإن كان في عنفوان حرارته، فإنك لن تستطيع التحكم به وسيحرق أصابعك، وبالتالي لن تستطيع أن تنتج التمثال في كامل أناقته، وهذا تشبيه للتعامل مع حالة معاصرة، لأن الحدث ما زال ساخناً، وبالتالي لن يكون العمل أدباً صرفاً، بل سيكون إما دعايةً أو هجوماً، بينما إن تركت هذا الصلصال ليبرد تماماً، فإنه سيتحول إلى مادة أدبية، وحتى الآن هناك أحداث مضت على الشرق الأوسط منذ أكثر من خمسين سنة وما زالت ساخنة، لذلك ليس مطلوباً من الكاتب أن يعتمد فقط على المرويات وإنما على حقائق، وهذا صعب في الأحداث الراهنة، لذلك أنا أتحدث عن الآن بصيغة الماضي، وهذا يقودني إلى الحديث عن نوعين من الكتابة عن التاريخ، الأولى كتابة يكون فيها التاريخ ممسك برقبتك، وأنت ممسك برقاب شخصياتك، وشخصياتك تمسك بأفكارها، وهذه الكتابة التاريخية مرفوضة لدي، وهي ما وصفتها بعكاز الكسول، والنوع الآخر هو اتخاذ التاريخ مادةً للكتابة، بمعنى ألا أكتب التاريخ بل أجعله مادة للكتابة، من دون الالتزام بشخصيات أو أحداث.
لكن بالنسبة لمسلسل تلفزيوني؛ ألا يتيح لك التخييل الدرامي أن تكتب عن الواقع؟ أم مع ذلك ترى أن الكتابة عن الواقع صعبة؟
كتبت الكثير من الأعمال الدرامية المعاصرة كـ(رقص الحبارى) و(وردة لخريف العمر)، أي أن الكتابة عن شيء معاصر ليس مشكلة عندي، لكن حديثي يتركز عن ماهية ونوع قراءة المعاصرة التي تعتبر النقطة الهامة في الموضوع، فأنا ابن التراث العربي والآرامي والإغريقي واللاتيني والغربي المعاصر، ولم أدّع أنني ضد الغرب الفكري، بل أنا ضد الغرب الاستعماري، ولذلك أعتبر نفسي تلميذاً من تلامذة الغرب الفكري، وبالوقت ذاته أنا تلميذ أيضاً للتراث العربي الإسلامي بكل تجلياته.
طالما أنك تعتبر الرواية هي مجد الكاتب وكتابة المسلسل جزء من جهد جماعي، لماذا لم تتصدى إلى (أبي خليل القباني) عبر كتابة رواية عنه؟
ربما أكتب قريباً، فلم أكتف منه ولا من عصره، وما زلت أرى أن الرواية هي مجد الكاتب أما المسلسل فهو جهد جماعي، لكن العلاقة مع التلفزيون باتت علاقة مربكة، بمعنى أنك لا تستطيع أن تتجاهل أداةً تنشر بها المادة التي تريد وتصل إلى 100 مليون إنسان، في حين أنك مهما أجدت في الكتابة فلن تصل إلى عشرة آلاف قارئ في أحسن حالاتك.
|