|
فضـاءات.. ليبرمان وحسابات الربح والخسارة |
|
|
|
|
عصام داري - تشرين
|
|
09/ 02/ 2010 |
وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بتاريخه وهويته وانتمائه قبل مواقفه وتصريحاته، ليس ظاهرة شاذة في إسرائيل، بل هو الصورة الأوضح والأكثر فجاجة للشخصية الإسرائيلية المشبعة بالأفكار الصهيونية العنصرية.
وإذا كانت تصريحاته العنترية الأخيرة وتهديداته لسورية ودول المنطقة قد حولته من وزير للخارجية إلى وزير للحرب، فإننا لا نرى فارقاً كبيراً بين وزير وآخر في حكومة بنيامين نتنياهو، فوزير البيئة كوزير الأمن الداخلي، ووزير السياحة يشبه وزير الحرب، وهكذا.
والحكومة بكلّيتها هي انعكاس صادق لواقع المجتمع الإسرائيلي ونظن أن من ينظر إلى هذه الحكومة يرَ الشارع الإسرائيلي، فالحكومة مرآة هذا الشارع الذي يجنح يوماً بعد آخر نحو مزيد من اليمين والتطرف والعنصرية والنزوع إلى العدوان.
عقب عدوان اسرائيل على قطاع غزة قبل عام ونيف أظهر استطلاع للرأي العام الإسرائيلي أن أكثر من ستين في المئة من الاسرائيليين لا يؤيدون ذلك العدوان فحسب، بل يطالبون باستمراره وتصعيده وتوسيعه ويرفضون وقفه تحت الضغوط الدولية. وكي تتوضح صورة هذا المجتمع نشير إلى أن معظم الحاخامات الاسرائيليين، وفي مقدمتهم الحاخام الأكبر عوفيديا بوسيط يطالبون بإبادة (كل العرب) وليس الفلسطينيين فقط، لأن هؤلاء العرب ـ وفق فتاوى الحاخامات ـ أفاعٍ وحشرات وصراصير!
هذا هو المشهد الإسرائيلي باختصار، مجتمع مدجج بالسلاح يؤمن بعقيدة عنصرية تقوم على إفناء الجنس، والعدوان والبطش.
إذا كنا نوصف اسرائيل بتكوينها الكلي من أصغر مؤسسة وفرد، إلى الحكومة والجيش والكنيست (البرلمان)، فإننا نفعل ذلك لإظهار حقيقة إسرائيل وطبيعتها العدوانية، وبالتالي فإن ما يصدر عن وزير ما ليس تعبيراً عن موقف شخصي وفردي بل هو موقف الحكومة والكنيست والشارع معاً. فالشارع الإسرائيلي أوصل ليبرمان إلى وزارة الخارجية ونتنياهو إلى رئاسة الحكومة وباراك إلى وزارة الحرب، والأمر ينطبق على كل الوزراء.
لذا، فإن تصريحات بعض الوزراء والنواب الإسرائيليين التي (استغربت) أو(انتقدت) تهديدات ليبرمان إنما كان الهدف منها تهدئة الرأي العام العالمي الذي طالب بتفسيرات لتصريحات ليبرمان النارية.
لكن هذه المحاولات للتنصل ـ ربما ـ من تصريحات الوزير الإسرائيلي الذي نصّب نفسه وزيراً للحرب، فلا يمكن أن تقنع أحداً، أو تخدع أحداً، فإسرائيل تتبنى برمتها أفكار وأطماع وتوجهات ليبرمان، فكما أن ليبرمان لايمكن أن يكون خارج (فصيلته) فإن فصيلته لايمكن أن تعضّ أحد أفرادها.
فوزير الخارجية الإسرائيلي هو الحقيقة الصارخة للمجتمع الإسرائيلي، لكن هناك من يتحلى ببعض الدبلوماسية لامتصاص غضبة العالم، إن حصلت، أما إن لم تحصل هذه الغضبة، ولم تترك تصريحات ليبرمان العنترية ردود فعل دولية مستنكرة، فإن الأصوات الدبلوماسية الإسرائيلية كانت ستغيب من دون أدنى شك.
فإسرائيل تعمل على قاعدة الربح والخسارة، فإذا شعرت أن موقفاً ما أو تصريحاً هنا وقراراً هناك يفقدها مكاسب قد حققتها، أو مكاسب قد تجنيها، فإنها تتراجع وتعيد النظر إلى ما كانت قد ذهبت إليه ولدينا المثال على ذلك وهو ما جرى مؤخراً عندما أساءت إسرائيل للسفير التركي.
لذا، فإن الانتقادات الإسرائيلية التي وجهت لوزير الخارجية كانت ترمي إلى ترميم ما حطمه ليبرمان من مصداقية لدى بعض الدول (خاصة الغربية) والزعم بأن ليبرمان هذا متهور وطائش، و(يجب إقالته).
هذه الزوبعة الاسرائيلية على ليبرمان ليست تنصلاً ممّا قاله، بل هي انتقاد للطريقة التي تحدث فيها أولاً، ولضمان اقل قدر ممكن من الخسائر، أو عدم تكبد هذه الخسائر ثانياً.
المعلق السياسي لصحيفة (جيروزاليم بوست) أمير ميرزوخ عبّر عمّا سبق خير تعبير، إذ قارن بين (ما حققته سورية في السنوات الماضية من نجاحات وما خسرته إسرائيل على الساحة الدولية منذ استلام ليبرمان وزارة الخارجية).
هذه هي الحسبة الإسرائيلية وهي حسبة لا تقوم فقط على ما خسرته إسرائيل خلال السنوات الماضية بل على ما حققته سورية من نجاحات، لأن نجاحات سورية تعني فشلاً إسرائيلياً ذريعاً، بعد أن عملت إسرائيل مع إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش على عزل سورية دولياً وممارسة كل أنواع الضغوط والتهديد والوعيد والعقوبات بحقها.
وبعيداً عن حسابات الربح والخسارة، فإن افيغدور ليبرمان شخصياً يتصرف وفق ما تمليه عليه قوانين فصيلته المسعورة من أساطير وخرافات تلمودية وتوراتية.
ويجب أن نتذكر أن ليبرمان دعا في أول تصريح له بعد دقائق من تسلمه حقيبة الخارجية إلى الاستعداد للحرب ورفض كل مبادرات السلام وكل الجهود المؤدية إلى إحياء مفاوضات السلام وطلب من سورية التخلي عن مطالبتها بالجولان إذا كانت تريد (سلام إسرائيل)!
من الواضح أن افيغدور ليبرمان لم ينس ماضيه القريب جداً عندما كان حارساً في علب الليل والخمارات، وعندما كان واحداً من الزعران والبلطجية الإسرائيليين، وهو يمارس دوره اليوم وزيراً للخارجية بزي الأزعر والبلطجي.
أمام مثل هذه التصريحات التي تعيد من خلالها حكومة نتنياهو قرع طبول الحرب، فإن سورية تعرف كيف تدافع عن نفسها وشعبها وسيادتها جيداً، لكن الأهم أن يكون العالم ودوله المؤثرة والفاعلة في صورة الحقيقة الحقيقية (كدولة معادية للسلام) حسب ما ذهب إليه احد قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ سنوات، وأن يدرك أن وجود الشريك الإسرائيلي في السلام لم يعد الأمر المهم اليوم، بل المهم جداً أن يعمل العالم ودوله الكبرى على لجم العدوانية الإسرائيلية قبل فوات الأوان، إذا كانت هذه الدول لا تريد للعالم أن يعود إلى شريعة الغاب.
عصام داري - تشرين
|