|
أسماء الدين - On Faith
|
|
22/ 02/ 2010 |
يشتهر العالم والمؤلف عميد صافي في أوساط العديد من الأمريكيين المسلمين لكونه في طليعة الحركة التقدمية المسلمة، التي تجد في الروحانية الإسلامية صوتاً قوياً للعدالة الاجتماعية والتعددية. في آخر كتاب له بعنوان "ذكريات محمد: لماذا يهمنا النبي" (دار هاربر كولنز للنشر) يبحث صافي في أصول تلك الروحانية: شخصية النبي ووجوده.
يشكّل الكتاب بالنسبة للمسلمين نداءاً منعشاً للعودة إلى جذورنا الروحية، وعنصر إيمان يبدو أنه مفقود هذه الأيام في التعليقات الاجتماعية المستمرة التي نضطر للانخراط بها حول الإسلام. وبالنسبة لغير المسلمين، يساعد تفسير صافي لمحمد كجسر بين الإنسانية والإلهية، من حيث أن التشبه به يساعد على تقريب الإنسان من ربّه، في تفسير الرابط بين المسلمين ونبيّهم. وهو يساعد الآخرين كذلك على الشعور كما يشعر المسلمون الورعون. في وقت يساء فيه فهم النبي إلى هذه الدرجة، يمكن لرابط عاطفي كهذا أن يذهب بعيداً باتجاه شفاء الجراح ما بين الديانات.
من المؤكد أن ما يجعل كتابة صافي عبقرية وذات علاقة وثيقة بشكل خاص، هو الأسلوب الذي يخوض فيه جيئة وذهاباً بين تفاصيل السيرة الذاتية للنبي، إلى الأسلوب الذي تم فيه تفسير هذه النقاط التاريخية والتشبه بها من قبل المسلمين. على سبيل المثال، تمثل رحلة النبي (ص) من مكة المكرمة إلى القدس الشريف، ورحلته من القدس إلى السموات لمقابلة خالقه، والتي يعتبرها البعض رحلة فعلية ويعتبرها البعض الآخر حلماً أو رؤية، تمثل أول رابط له مع رسالة عيسى وموسى عليهما السلام، ثم اتحاده النهائي مع الخالق.
ويبرز الجزء الأول من هذه الرحلة، إضافة إلى لقاء النبي مع سيدنا آدم وعيسى ويوحنا المعمداني ويوسف وإدريس وهارون وموسى وإبراهيم أثناء الجزء الثاني، الطبيعة المشتركة للديانات الإبراهيمية وقدسية كل منها. يرفض بعض المسلمين هذه القراءة للكتب الدينية ويختارون بدلاً منها الإيمان بأن القرآن الكريم يحل محل الرؤى السابقة وليس يؤكدها. ورغم أنه قد يكون من الصحيح وجود تفاصيل ثيولوجية يصعب أن تتفق عليها الديانات التوحيدية في يوم من الأيام، إلا أن هناك إثباتات قرآنية كثيرة للرابط الأساسي بين الإسلام واليهودية والمسيحية، ومجال أوسع من التقاليد الروحية.
يشير القرآن الكريم إلى النبي محمد (ص) على أنه رسول لكافة بني البشر، ويؤكد مرة بعد أخرى أن كل نبي يأتي بنفس الرسالة، وأنه يجب عدم تفضيل واحد على الآخر. رسالة النبي في جوهرها هي عن الاستسلام الروحي للخالق جل وعلا، محدداً المسلم (ذلك الذي يسلّم أمره لله تعالى) بأنه أي إنسان يلتزم بهذه المبادئ.
يصبح السلوك الصحيح أمراً جوهرياً في تدين الشخص، حيث أن الاستسلام إلى الخالق يتعلق بالشيء الذي تفعله وبأسلوب فعل ذلك الشيء. يتوقف كونك مسلماً عن كونه هوية، ويصبح بدلاً من ذلك أسلوب حياة وفعل. يصبح البحث عن الحقيقة عملية تتطلب جهداً، أي عملية متأصلة في الاستسلام لله تعالى من خلال العمل لصالح العدالة الاجتماعية، ضمن أمور أخرى.
تفعل سيرة صافي النبوية ذلك بالضبط: إعادة تركيز انتباه القارئ على الشخص الذي نزل القرآن من خلاله. وكما يقول صافي وبحق، لا يتعدى فهم المسلم الحداثي لدور النبي إلا قليلاً مفهوم "رجل البريد الذي يوصل الرؤيا الإلهية للقرآن الكريم إلى عتبة الإنسانية، وقد يقف لفترة كافية للحصول على توقيع لضمان وصول البعثة، ثم يغادر ولا نراه مرة أخرى".
ولكن ما يفوت هؤلاء الحداثيين هو "تقاليد الورع الإسلامي والتعلّم وممارسة الروحانية"، التي تطورت حول ذكريات محمد. كما فاتتهم حقيقة أن الطهارة الروحانية لا يمكن أن تحصل إلا من خلال تطبيق رسالة النبي الأوسع في العمل الاجتماعي الواعي. يتعمق كتاب صافي في ذكريات محمد هذه حتى يستطيع إحياءها والتقاليد التي بنيت حولها ونداءها لاعتناق الإسلام من خلال شخصية متميزة نقية.
يركز الفصل الأخير من كتاب صافي وبشكل مناسب على السؤال: "ماذا كان محمد ليفعل؟" إنه سؤال يأتي بالنبي إلى الحاضر، ويجعل ذكراه حية. وكما يشير صافي، في الصورة الحاضرة، يجد العديد من المسلمين أنفسهم يحاربون الصور النمطية والرؤى الخاطئة من خلال تعريف ما لا يمثله النبي والإسلام. ولكن هذا السؤال هو عن التعمق في رسالة النبي الجوهرية في الرحمة لاكتشاف كنه الإسلام وما كان وما يمكن أن يكونه وما يجب أن يكونه.
###
* أسماء الدين هي المحررة المشاركة في altmuslim.com والمحررة الرئيسة لِ Altmuslimah. تقوم خدمة الأرضية المشتركة بتوزيع هذا المقال بإذن من الكاتبة.
|