|
القصة السرية الكاملة وراء اغتيال المبحوح |
| عقابًا على تورّط خليجيّ بشحن أسلحة إلى إيران |
|
|
|
ايلاف
|
|
11/ 03/ 2010 |
تجمعت لدى "إيلاف" معلومات حصريَّة على درجة عالية من الخطورة، استقتها من مصادر خليجية وأميركية وإسرائيلية، تقلب صورة اغتيال محمود المبحوح رأساً على عقب. فما بدا طوال الأسابيع السبعة الفائتة أنَّه عملية اغتيال كلاسيكية نجحت في تصفية القيادي في حماس لكنها مرغت أنف الموساد في الوحل، اتضح أخيراً أنَّها عملية أكثر تعقيداً بكثير، وأنَّها كانت ترمي إلى توجيه رسائل إنذار علنية ومكشوفة إلى أكثر من طرف، وفي طليعتها بلدان خليجيَّة.
وفي معلومات "إيلاف" أنَّ عمليّة الاغتيال كانت بمثابة علبة بريد مليئة بالرسائل المفخخة، دبرها "موساديون" بعلم الموساد او من خلف ظهره، وتكفلت الخارجية الأميركية بنقل بعضها إلى من يهمهم الأمر.
ماذا في معلومات إيلاف؟ وما سرّ الطائرة الشراعيَّة التي حلّقت فوق منزل ضاحي خلفان؟ ولماذا سلك بعض منفذي عملية الاغتيال طريق إيران عند خروجهم من دبي؟ وماذا حدث بالضبط ولماذا؟
بات من المتعذّر اعتبار ما حدث في إمارة دبي في العشرين من شهر كانون الثاني (يناير) الماضي عمليَّة بوليسيَّة كلاسيكيَّة، وخصوصًا بعد المعلومات التي توفرت لخزنة "إيلاف" من مصادر خليجيَّة متعدّدة وإسرائيليَّة شبه متعددة وأميركيَّة لا حصر لها، تنفي عن عمليَّة اغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح السيناريو الكلاسيكي، وتكشف فيها أهدافًا أخرى دفعت الاستخبارات الاسرائيليَّة إلى التحرّك.
إنذار لدول الخليج
وتؤكّد مصادر إسرائيليَّة مقربة من الموساد أنَّ الهدف من العمليَّة يتجاوز تصفية المبحوح، وتلفت إلى أنَّ "القتيل في الغرفة رقم 230 في فندق "البستان" لم يكن هدفًا إسرائيليَّا بحدّ ذاته، بل هو جزء من هدف أكبر"، ويتجاوز الصراع بين إسرائيل وحماس بالذات.
 |
|
صورة وزعتها شرطة دبي تظهر اثنين من المشتبه فيهم في مطار الإمارة.
|
وتضيف المصادر أنَّ إسرائيل قصدت من تلك العمليَّة توجيه الإنذار الأول ليس لدبي وحدها، بل لعموم الخليج من أدنى البحر الأحمر إلى أسفل الخليج حيث عجمان". وترمي إسرائيل من وراء هذا الإنذار - على حد تعبير المصادر الإسرائيليَّة - إلى "لجم" أي محاولة لدعم أعداء الدولة الهرتزيليَّة، الذين حددتهم الأعين الراصدة بحماس وإيران وحزب الله، سواء من حيث الدعم العسكري أو التهريب غير المشروع.
عمليّات تهريب
وتضيف المصادر أنَّ أجهزة إسرائيل التجسسيَّة "رصدت حصول حالات تهريب أسلحة إلى إيران عبر بعض الموانئ الخليجيَّة تحت غطاء شركات أدوية مملوكة لنافذين خليجيين". وتلفت المصادر ذاتها إلى أنَّ أجهزة الرصد الإسرائيليّ قد تمكّنت عبر الأقمار الصناعيَّة من اصطياد وتحديد عمليَّات التهريب والتي تحتوي على مواد تعتبرها الدولة الصهيونيَّة خطًا أحمر بالنسبة إلى أمنها. وكان قتيل الغرفة رقم 230 أحد العناصر المشاركة في ترتيب وتسهيل عمليَّات التهريب هذه.
أكثر من ذلك، تلفت مصادر تل أبيب إلى حدوث حالات تهريب أخرى تتمّ تحت غطاء شركات أدوية واحتياجات صحيَّة، مذكرة أنَّ هذا الإنذار الأوّل والمتمثّل في اغتيال القيادي في حماس هو إنذار عامّ وأنَّها لن تتردد في "الضرب مجددًا" وبقوّة أكبر إذا لم يؤت الإنذار الأوّل مفعوله في وقف هذه العمليَّات.
 |
|
سفينة عسكرية إيرانية تبحر في الخليج.
|
تحرّك أميركيّ عاجل
وتشرح مصادر أميركيَّة تحدّثت إلى "إيلاف" أنَّ الرسالة التي أرادت إسرائيل إيصالها من الضربة الأولى، دفعت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجيَّة الأميركيَّة، إلى الاتصال سريعًا بمسؤول رفيع المستوى في الإمارات لحثّه على تهدئة الموقف وتجنّب التصعيد الإعلاميّ في الكشف عن تفاصيل التحقيقات التي تجري بحثًا عن قتلة المبحوح، والتي دفعت بالقضيَّة إلى واجهة الاهتمام في وسائل الإعلام المحليَّة والدوليَّة طوال الأسابيع السبعة الماضية.
ومن الثابت أنَّ الامارات بمجملها أدركت حساسيَّة الموقف، واستخلصت من الرسالة الأميركيَّة صعوبة المضي في التصعيد الذي لا يخدم أحدًا، ولا يتوافق مع طبيعة الخليج الذي لا يريد أن يكون لا حماسيّا ولا نجاديّا ولا نصريّا" - على حد تعبير مسؤول كويتي - بل يكفيه أن يدع مكارم الغوغائيَّة لدعاتها، وما أكثرهم.
جدل في الخليج حول مواقف ضاحي خلفان
تؤكّد مصادر خليجيَّة عليا لـ "إيلاف" إنَّها تراقب باهتمام بالغ ما يجري على أرض التطورات الأمنيَّة والسياسيَّة تحت جداريَّة ما تسميه "أزمة ضاحي خلفان والموساد". وتقول شخصية خليجيَّة نافذة إنَّ قوى في الخليج لا ترى أن التصعيد في هذه القضية سيخدم مجريات التحقيقات بعد أن تحولت إلى وسائل الإعلام، في حين أنها قضيَّة خطيرة ويجب أن يكون للجهود القانونيَّة والسياسية النصيب الأكبر في إيجاد الحلول لها.
وتقول الشخصية المسؤولة لـ إيلاف إنَّه لا يعتقد بأنَّ الجهات العليا في دولة الإمارات قد استشيرت في مسألة التصعيد الإعلامي التي يقوم بها مدير شرطة دبي، خشية تحولها إلى نتائج لا قِبَلَ لدول الخليج بتحملها من جهاز أمني غير آبه بالمعطيات السياسيَّة وضارب بالشرعية الدولية عرض الحائط. وتستذكر الشخصيَّة التي تحدّثت الى إيلاف العمليَّات الاستراتيجيَّة الثلاث التي نفذها جهاز الموساد خلال فترة وجيزة في الأراضي السورية كما يشاء من دون رادع، وهي ضرب المفاعل السوري ثم اغتيال عماد مغنيه وبعدها تصفية رئيس هيئة الطاقة النووية السورية عام 2008.
ويضيف المسؤول أنَّ دول الخليج مفتوحة النوافذ والأجواء، وليست في حاجة إلى مزيد من المشاكل الأمنية وقضاياها الاقتصادية، مذكراً بأن الخليج ليس في حاجة لضلع ثالث يكمل
 |
|
صورة وزعتها واشنطن عام 2008 لمفاعل نووي سوري بعد ان كانت اسرائيل قصفت موقع قيل أنه منشأة نووية.
|
ضلعي حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، وأحمدي نجاد، الرئيس الإيراني، من حيث اللعب على وتر الغوغاء وتسويق القضايا على حساب المخرجات الأهم، وهي في حالة دبي دقيقة جداً للبلد الاقتصادي والسياحي المفتوح والواعد.
وأشارت هذه الشخصية التي تتزعم تياراً لا يستهان به داخل الخليج إلى أنَّ نجاح شرطة دبي شيء جيد وعمل لا يمكن التقليل من أهميَّته، لكن الأجدى هو جعل إسرائيل في مواجهة مع الدول ذات العلاقة التي لعب الموساد بوثائقها، على أن يبقى دور الأمن الخليجي هو تعزيز التحالف مع الدول المتضررة حيث أنَّها هي الأقوى والأقدر علي التعامل مع إسرائيل.
وأخذت مصادر أخرى على الفريق خلفان حديثه عن مذكرات الجلب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد أن طالب برأس زعيم الموساد مائير داغان، رغم أنَّ الجهات الأمنيَّة الإسرائيلية رفضت مبدأ التعاون حتى مع الدول التي استخدمت جوازات سفر باسمها لاستدعاء مواطنيها، بل وقالت تل أبيب عبر وزير خارجيتها أفيغدور ليبرمان إنَّها تعرف قواعد اللعبة وتتعامل مع مسائل استخباراتها بحذر، حيث قال الوزير لبريطانيا "أعتقد أنها تدرك أن إسرائيل بلد مسؤول، وأن نشاط أمننا يتم طبقاً لقواعد لعبة واضحة وحذرة ومسؤولة للغاية. بالتالي ليس لدينا ما يدعو إلى القلق".
 |
|
ضاحي خلفان يحضر الجلسة الافتتاحية لمؤتمر أعمال الأمن الدولي ودرء المخاطر في أبو ظبي- 1 مارس 2010
|
وتمنت تلك المصادر أن تعود اللغة الخليجية إلى سابق عهدها في التعامل المتعقل مع هذه القضية الشائكة، وترك هذه اللغة لعواصم جارة وشقيقة تستطيع المناورة سياسياً مع الطرف القوي والشريك الآخر، وهي الدول التي تعرضت جوازات مواطنيها للانتهاك في وضح نهار دبي، تماماً كما انتهكت أمتار قليلة فوق منزل خلفان بعد أيام من تصريحاته المكثفة ضد الموساد، حين حلقت طائرة شراعية صغيرة على متنها مجري وبريطانيين بتصريح طيران مزور، قال عنه المجري إنه لم يزوره بل استخدمه كـ "نموذج"، ورغم ذلك خرج الثلاثة جميعاً من باب المحكمة ببراءتين وغرامة.
"نيران صديقة" ضالعة في اغتيال المبحوح... للأسباب التالية!
خفي عمليَّة تصفية محمود المبحوح، القيادي في حركة حماس، أبعادًا مستقبليَّة تتجاوز المعلن حتّى الآن والذي يركّز فقط على الجهة المتورّطة من دون الأخذ في الاعتبار الدوافع خلف العمليَّة. ويكشف مسؤول أمني أميركيّ لـ إيلاف أنَّ عمليَّة الاغتيال عمومًا وبالطريقة التي تمَّت فيها خصوصًا تحتاج إلى نظرة معمّقة في تفسيرها وتحليلها تأخذ في الاعتبار الأبعاد المستقبليَّة لها.
وفيما يعترف المسؤول الأميركي أنَّه ليس من السهل الآن معرفة ما حدث ولماذا، يجنح محللون أمنيون بريطانيون إلى طرح تساؤلات عديدة حول الأهداف الإسرائيليَّة التي دفعت بجهاز الموساد إلى تنفيذ عمليَّة الاغتيال بطريقة واضحة للعيان وسهلة الكشف مما يطرح الاحتمالات التالية:
 |
|
السفير الاسرائيلي في لندن بعد ان استدعته الخارجية البريطانية شأن إستخدام جوازات سفر مزورة في عملية إغتيال المبحوح. أ ف ب
|
أوّل هذه الاحتمالات أنَّ جهاز الاستخبارات الإسرائيلي أراد التدليل على أنَّ يد تل أبيب طويلة وتستطيع الوصول الى أيّ بقعة في العالم العربي في أيَّ وقت تشاء من دون أن يعترض طريقها معترض.
ثاني الاحتمالات أنَّ عمليَّة الاغتيال بالطريقة الاستعراضيَّة التي تمَّت فيها تحمل رسالة إلى دول الخليج مفادها أنَّها ليست بمأمن من يد الموساد، وخصوصًا منها البلدان التي تدعم ما تعتبره إسرائيل إرهابًا ضدَّها من جانب حزب الله أو حماس عن طريق الدعم المالي.
ويتّصل ثالث الاحتمالات بإيران. فمن المشكوك فيه أنَّ لإيران يد في عمليَّة الاغتيال أو أنَّها ضالعة فيها، حتّى ولو غادر الأستراليَّان المتّهمان بالاغتيال دبيّ عن طريقها. بل إنَّ مغادرتهما إلى إيران هي عمليَّة تنطوي على لغز، إذ ما الذي يجعل حاملي الجواز الأسترالي يختاران السفر عبر البحر ما لم يكن هناك اختراق أمني لإيران ومحاولة لاختبار قوَّة الدفاعات الإيرانيَّة.
ويذكر المحللون الأمنيون البريطانيون بأنَّ عددًا من المسؤلين الأمنيين والعسكريين الإيرانيين الكبار هم من أصول عربيَّة، وبعضهم ينتمي إلى مدن وقرى تحاذي الخليج، أي إلى الشريط الخليجي من إيران والذي يعرف باسم عربستان وسكانه من العرب السنَّة.
ويضيف محللون أمنيون أنَّ هشاشة العمليَّة قد تقود إلى استنتاج أنها لم تكن إخفاقًا إذا اعتبرنا أنَّها كانت ترمي إلى تحقيق أحد أو كلّ الأهداف المذكورة أعلاه. وهي بهذا المعنى تمَّت من داخل جهاز الموساد وعلى طريقة "النيران الصديقة"، وإن يكن ثمَّة اتفاق بين المصادر على أنَّ هذه العمليَّة من الصعب كشف دوافعها وأهدافها في وقت مبكر.
.jpg) |
|
إيران تختبر إطلاق صاروخ نور من المدمرة المنتجة محلياً- جمران- في الخليج العربي - 9 مارس 2010. أ ف ب
|
|