|
"عصابة" وول ستريت |
| أكبر من الفشل المؤلف: أندرو روس سوركين |
|
|
|
مجلة المجلة
|
|
14/ 03/ 2010 |
رغم الانتصار التدريجي والبطيء للحكومات على الأزمة المالية العالمية وشروعهم في تحويل انتباههم إلى المعركة المقبلة، وهي تلك المعركة المتعلقة بمكافحة العجز المتنامي في الميزانية العامة، فإن الناس قد أصبحوا في حالة من الذهول وغير قادرين على معرفة ماذا أصابهم بالتحديد، ويقدم كتاب أندرو روس سوركين الجديد سردًا ممتازًا لظواهر وبواطن الأمور المتعلقة بالأحداث، التي أدت لانهيار الاقتصاد العالمي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
للكاتب البريطاني الكبير ألدوس هكسلي مقولة شهيرة وهى أنه "يتلخص سحر التاريخ وغموضه في حقيقة أنه بالرغم من عدم حدوث أي تغيير مع توالي العصور فإن كل شيء مختلف تمامًا". ومع الانتعاش التدريجي الحادث في الاقتصاد العالمي، قد ينتاب كثيرًا من الناس نفس الشعور الذي انتاب الملك بيروس الإبيري (319-272) قبل الميلاد، بعدما نجح في هزيمة الإمبراطورية الرومانية، حيث عبر عن الخسائر الفادحة التي لحقت بجيشه قائلًا "إن نصرًا آخر من هذا القبيل كفيل بأن يجعلني أعود إلى ايبيروس وحدي في نهاية المطاف". وعندما ننظر إلى الأرقام والحقائق التي نتجت عن الأزمة المالية العالمية لا نملك إلا أن نذهل من حجم الآثار المروعة للدمار الذي أحدثته. فقد كانت تكلفة النصر الذي أحرزه الاقتصاد العالمي تكلفة مرتفعة للغاية، بحيث سيظل العالم يعاني من أثارها لعدة عقود قادمة.
وينبغي علينا أن نتعلم مما حدث، كي نتجنب الوقوع في أخطاء الماضي من جديد. وفى هذا الصدد فإن كتاب أندرو روس سوركين، الذي يحمل عنوان "أكبر من الفشل.. القصة الحقيقية للحرب التي خاضتها وول ستريت وواشنطن لإنقاذ النظام المالي وإنقاذ أنفسهم"، لا يعد كتابًا آخر من الكتب التي تتناول الأحداث والوقائع التي أدت إلى حدوث الأزمة، بل إنه هو الكتاب الذي يتصدرها جميعًا. فسوركين لم يكتف بكم المعلومات
والأسرار التي احتوى عليها كتابه، بل إنه نجح أيضًا في تحويله كمن كتاب عن الأزمة المالية إلى رواية مثيرة، بحيث لا يستطيع القارئ أن يتوقف عن القراءة و تقليب الصفحات حتى يصل إلى نهاية الكتاب.
ويروى السيد سوركين باقتدار في كتابه قصة الأزمة المالية من زاويتين مختلفتين، ففي البداية يلقي الضوء على أحد الأفكار الاقتصادية المهمة التي تتلخص في أنه عندما تصبح الشركات كبيرة جدًا ومترابطة، مثل البنوك الاستثمارية، فإن الحكومة في هذه الحالة لا يمكن أن تسمح لها بالإفلاس لأن ذلك سيكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد، وإذا كان فشل مؤسسات مالية مثل "بير ستيرنز" و"ليمان براذرز" يمكن أن يؤدي إلى هذا التدهور الكبير في أوضاع الاقتصاد العالمي، فما الذي كان سيحدث لو واصلت بقية قطع الدومينو، المتمثلة في المؤسسات المالية والبنوك الاستثمارية الكبرى، سقوطها.
ويعد الكتاب في المقام الثاني كتابًا عن الغرور.. فالكتاب يبرهن بوضوح على النتائج التي يمكن أن تؤدي إليها النرجسية العمياء لو اجتمعت في رجال يتمتعون بسلطة زائدة على الحد. وفى هذا الإطار فإن القصة التي يرويها الكتاب هي قصة رجال اعتقدوا أنهم قد بلغوا من القوة والنفوذ حدًا أصبح معه من المستحيل أن يفشلوا. وقد قال اللورد أكتون ذات مرة "إن السلطة المطلقة ستؤدي حتمًا إلى الفساد". ولئن كان هذا الوجه من أوجه الكتاب يعد الأصعب من حيث الكتابة، فإن الكاتب قد نجح في صياغته بشكل ممتع.
وقد تمكن سوركين من خلال أكثر من 200 مقابلة أجراها مع اللاعبين الرئيسيين الذين تسببوا في الأحداث التي أدت إلى انهيار مؤسسات مالية كبرى مثل "ليمان براذرز" و"ايه اي جي"، من ربط سلسلة من الأحداث التي أدت إلى حدوث شبه انهيار في الاقتصاد العالمي. وقد صاغ سوركين كتابه في بناء مشابهة لبناء الفيلم الأمريكي الشهير "تحطم". فهو يروي الأحداث من وجهة نظر محايدة، بينما يبين في الوقت نفسه الأسباب الحقيقة والآثار الفعلية لهذه الأحداث. ولعل هذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي تميز هذا الكتاب عن عدد كبير من الكتب التي وضعت عن الأزمة المالية العالمية.
والمحور الرئيسي للأحداث يدور حول اثنين من الشخصيات هما، هانك بولسون، وزير الخزانة الأمريكي، وديك فولد، الرئيس التنفيذي لمؤسسة "ليمان براذرز"، حيث يمتلئ الكتاب بالكثير من الأمور الصغيرة التافهة والمشوقة في الوقت نفسه عنهما. فعلى سبيل المثال، يوضح الكتاب أن هناك تنافسًا بين وزارة الخزانة الأمريكية ولجنة البورصة والأوراق المالية، والتي يصفها السيد بولسون بأنها العصابة "التي يعجز أفرادها عن إصابة الهدف"، كما يحوي الكتاب أيضًا معلومات عن "الانقلابات" التي تحدث في الكثير من المؤسسات المالية في وول ستريت والمكائد والدسائس التي تهدف إلى تهميش الكثير من الأفراد الأكفاء الذين لا يسكتون عما يرونه من فساد.
وبالإضافة إلى هذه المعلومات عن اللاعبين الرئيسيين وحاشيتهم، يلقي الكتاب الضوء على الأسباب الرئيسية للأزمة، والتآكل الواضح والبطيء للثقة في النظام المالي طوال عامي 2006 و 2007، كما يوضح الكتاب كيف أن الإدارة العليا في المؤسسات المالية كانت تشجع على اتخاذ إجراءات محفوفة بالمخاطر، مما جعل الاقتصاد مكشوفًا ومعرضًا للانتكاس. وبالإضافة إلى ذلك يبين الكتاب كيف أن شركتي "مورجان ستانلي" و"جولدمان ساكس" كانتا على وشك أن تلقيا نفس المصير الذي لقيته مؤسسة "ليمان براذرز"، وكيف أوشك النظام كله على الانهيار.
ولعل أكثر أجزاء الكتاب إثارة للاهتمام هو الجزء الذي يبرز العلاقة المتضاربة بين الجهات التنظيمية الأمريكية والبريطانية المسئولة عن الأمور المالية، حيث يوضح سوركين في هذا الجزء كيف كان بنك "باركليز كابيتال" البريطاني على وشك شراء مؤسسة "ليمان براذرز"، وهو الأمر الذي كان من المحتمل أن يمنع الانهيار الذي حدث، وكيف أن هذه الخطوة كشفت عن "عدم رغبة بريطانيا في استيراد السرطان من أمريكا".
ومع ذلك، فإن الكتاب لا يخلو من العيوب. فأولًا قد تربك المعلومات الغزيرة الواردة في هذا الكتاب، الذي يقع في 600 صفحة، القارئ وتؤدي إلى تشتته في بعض الأحيان، حيث يتولد لديه الانطباع بأنه يقرأ عددًا خاصًا من مجلة "بيبول ماجزين" يتركز حول وول ستريت. وثانيًا، كما أن اللقاءات الواردة في الكتاب مع اللاعبين الرئيسيين تشكل أحد أعمدة الكتاب الرئيسية، تجعل القارئ يتساءل في بعض الأحيان عما إذا كانت بعض المقاطع الموجودة في الكتاب لا تعدو كونها أكثر من مجرد سرد للأحداث من وجهة نظر شخصية. ولكن بالرغم من ذلك، فإن الكتاب لا يزال يعد سردًا شديد التميز والإثارة لما سماه السيد بولسون بحق "كارثة الحادي عشر من سبتمبر الاقتصادية".
|