|
المصارف السورية الخاصة: فائض سيولة ونقص استثمار |
|
|
|
|
دي برس
|
|
15/ 03/ 2010 |
قال مدير المصرف العقاري السوري ملهم ديبو إن فائض السيولة الموجود لدى بعض المصارف السورية هو فائض مهم جداً لتمويل المشروعات الإستراتيجية مثل المرافئ والنقل والمطارات والبنى التحتية، وبيّن ديبو حسبما نقلت صحيفة الاقتصادية أن حجم الإقراض في السوق المصرفية يجب أن يزيد على حجم السيولة، مشدداً على وجود حاجة ماسة إلى أن يكون التوظيف أكبر مما هو عليه حالياً وذلك في خدمة الاستثمارات الحقيقية التي تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني وعلى المصارف بحد ذاتها أيضاً، إذ إن وجود فائض سيولة لدى المصارف يعني بطبيعة الحال وجود خسائر من الناحية الأخرى لديها، ولذلك يجب العمل على استثمار هذه الأموال وتوظيفها لتحقيق عوائد من السيولة المتوافرة.
ومن جهتة أخرى قال المدير التنفيذي لسوق دمشق للأوراق المالية والخبير في السياسات المالية محمد الجليلاتي إن المصارف الخاصة بدأت بتجميع الودائع من الناس في ظل ضيق مجالات الاستثمارات الذي رافق افتتاح هذه المصارف واقتصار هذا المجال لدى كبار المدخرين على الاستثمار العقاري، ما دفع الناس وتحديداً صغار المدخرين إلى الاعتقاد بأن أفضل وسيلة لتعبئة مدخراتهم هي وضعها في المصارف لأن معدلات الفائدة بالكاد تحافظ على القوة الشرائية لهذه النقود لأن قيمة الأموال السائلة الشرائية تتناقص بالتدريج بفعل التضخم، وبالتالي فإن الودائع ازدادت بشكل ملحوظ لدى المصارف الخاصة، وعلى اعتبار أن المصارف بالأساس هي مصارف تجارية فإن التسليف للشركات الصناعية والتجارية غير ممكن لها بحكم القانون، بمعنى أن المصارف لا تستطيع تقديم قروض طويلة الأجل تتراوح بين 10 إلى 15 سنة، لأن معظم الودائع هي ودائع تحت الطلب أو في أحسن الأحوال لمدة سنة، ولذلك ركزت المصارف حسب قول الجليلاتي على توظيف رؤوس الأموال العاملة عبر إعطاء تسهيلات لشراء مواد أولية ولفتح الاعتماد وإعطاء قروض قصيرة الأجل للأشخاص لا تتجاوز مدتها 5 سنوات، وبدأت المصارف بتمويل أعمال التجزئة على مستوى شراء التجهيزات المنزلية لذوي الدخل المحدود.
وقالت الصحيفة إن بعض مديري المصارف الخاصة في سورية يربطون مشكلة السيولة الفائضة في المصارف الخاصة بتشددها وحرصها على آليات إعطاء القروض والتسهيلات، إلى جانب تهرب الكثيرين من تقديم الضمانات والرهونات المطلوبة فضلاً عن الأوراق اللازمة جراء ضعف الثقافة المصرفية، ولا يخفي مديرو المصارف الخاصة أن السيولة الفائضة تحمّل القطاع المصرفي أعباءً كبيرة تؤدي في النهاية إلى خسارة أكثر من اللازم، وفي هذا الصدد نقلت الصحيفة عن الجليلاتي توضيحه بأن نسبة التسليف إلى الودائع في المصارف الخاصة السورية لا تزال نسبةً متدنية إذ تتراوح ما بين 25 إلى 30%، وهي نسبة متدنية بالمقارنة مع النسب المتعارف عليها في المصارف والتي قد تصل إلى 80 أو 90%، موضحاً أن المسؤول عن هذا الخلل في نسبة التسليف إلى الودائع هو غياب الثقة بين المصرف ورجل الأعمال، وهذا عائد حسب قوله إلى اعتياد رجال الأعمال في سورية، ولأسباب ضريبية، على عدم التقدم ببيانات ضريبية معدّة وفق معايير المحاسبة الدولية ومدققة من مفتش حسابات بشكل أصولي ولا تظهر النتائج الحقيقية لأعمالهم أو القيم الحقيقية لموجوداتهم بسبب القوانين التي كانت سائدةً في الماضي ومنها مثلاً قانون الضريبة على العقارات، ونتيجة هذه التجربة فإن رجل الأعمال قد يعتقد أن تقديم بياناته الحقيقية إلى المصرف قد يسوقها بشكل أو بآخر إلى الجهات المالية في البلاد، وبالتالي فإنه قد يطالب بدفع فروقات ضريبية، يضاف إلى ذلك أن المصرف لا يستطيع ضمن سياسته الائتمانية ومخاطر الائتمان قبول بيانات رجل الأعمال أو الشركة الطالبة للقرض إلا بعد تدقيق البيانات المالية لطالب القرض والتأكد من تطابقها مع الحقيقة، وهذا عملياً يؤخر عمليات الإقراض بشكل عملي وخاصةً أن المصارف لا تزال جديدة العهد في سورية وليس لديها تجربة كافية مع رجال الأعمال تؤمن لها قاعدة بيانات كافية عن مدى الكفاءة الائتمانية لهؤلاء، فالمصارف المحدثة في سورية لديها جهاز موظفين حديثي العهد وعندما يتقدم إليهم رجل أعمال فإنهم لا يملكون عملياً أي معلومة عن تاريخه أو عن إمكانياته، ولذلك فإنهم مطالبون بالتقييد بالتعليمات النافذة للمصرف وعليه فإنهم يطالبون المتقدم للحصول على قرض بإبراز بياناته المالية بحيث يمكنهم تقدير مخاطر الائتمان لكي يضمنوا عدم الإساءة في استخدام ودائع المواطنين وعدم تعرض المصرف إلى خسارة، وبهذا الشكل يبرر الجليلاتي انخفاض نسبة التسليف إلى الإيداع في المصارف السورية وتحديداً الخاصة، ويشير في معرض حديثه إلى أن هذه النسبة كانت عند بداية دخول المصارف الخاصة إلى البلد بحدود 15% وهي اليوم تتحسن وصولاً إلى 30 و35%، وتوقع الجليلاتي أن تزداد هذه النسبة مع ازدياد الثقة بين المصارف ورجال الأعمال، ومع صدور قانون السرية المصرفية الذي يضمن زيادة قناعة رجل الأعمال السوري بأن تعامله مع المصارف لا يخضع للاطلاع من أي شخص ثالث إلا بحكم صادر عن المحكمة، وهذا سيساهم في زيادة نسبة التسليف إلى الودائع في المصارف الخاصة السورية مع مرور الزمن.
وفي السياق ذاته لم ينف ديبو حسب الصحيفة وجود خلل في العلاقة بين الإيداع والتوظيف في بعض المصارف السورية، مشدداً على ضرورة تناول السياسات التوظيفية والإيداعية في كل مصرف على حدة لتحديد هذا الخلل، فكل مصرف حسب قوله يوفق بين الإيداعات والتوظيفات بما يخدم مصلحته، وبالتالي فإن لكل مصرف سياساته الخاصة به في هذا الصدد، وبالإجمالي إذا كان هناك إيداعات أكبر من التوظيف فهذا يعني وجود خلل بشكل عام، ولا شك في هذا حسب قوله، أما بالنسبة للمصرف العقاري فأكد د. ديبو أن هذين البندين متوازنان لديه وبالتالي ليس لدى العقاري فائض سيولة، فنسب السيولة لديه هي ضمن الهامش الذي يقرره مصرف النقد والتسليف وليس هناك خلل بين الإيداع والتوظيف، فالإيداعات مستقرة والتوظيف والسيولة هما ضمن الهامش المتاح، وأعرب د. ديبو عن قناعته بأن توظيف فائض السيولة هذا في المشروعات سيؤدي بالضرورة إلى تحقيق الفائدة للاقتصاد الوطني كما سيؤدي إلى تحقيق الفائدة للمصارف نفسها، فهي التي تتحمل المخاطر بالنهاية.
من جهة أخرى يرى بعض المصرفيين السوريين أن القطاع المصرفي لم يتمكن حتى الآن من استثمار سيولته الفائضة الموجودة في تمويل المشاريع التنموية والضخمة، فبالنظر إلى أرقام الخطة الخمسية العاشرة يلاحظ أن الإنفاق على المشاريع التوسعية الإنمائية لم يتجاوز 62% من مجمل الإنفاق، ويرى اختصاصيون أن على المصرف المركزي أن يعمل لإصدار أذونات وسندات خزينة من شأنها أن تعطى دفعة إضافية لتحريك فائض السيولة لدى المصارف الواقعة في هذه المشكلة، ويرى الجليلاتي هنا أن السيولة المتاحة في المصارف الخاصة تتطلب من هذه المصارف البحث عن مشروعات لتوظيفها بشكل آمن، ويوضح أن الهدف من إصدار أذونات الخزينة ليس تنشيط المصارف وتأمين ربحية لها فقط، وإنما يأتي بشكل أو بآخر استجابةً لتحقيق مصلحة الاقتصاد الوطني، حيث أوضح ذلك منطلقاً من الإشارة إلى أن الموازنة تقسم من حيث المبدأ إلى موازنة الإنفاق الجاري والاستثماري، والإنفاق الجاري هو التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والدفاع وجميع الخدمات التي يجب تقديمها للناس، أما الاستثماري فيتولى الإنفاق لتمويل إنشاء المشروعات الاقتصادية ذات الطابع التخديمي للاقتصاد الكلي، مثل بناء المدارس وشق الطرقات، والإنفاق الاستثماري للدولة يتعلق بالبنى الأساسية للاقتصاد الوطني أكثر من تعلقه بتوليد الإيرادات، ويعتمد على الموازنة العامة التي تراجعت مواردها خلال السنوات الماضية بسبب تراجع الفائض النفطي بشكل رئيسي، إضافة إلى تخفيض معدلات الضرائب بهدف جذب الاستثمارات، وبالنتيجة أصبح لدينا في سورية ما يسمى عجز الموازنة الذي يمول عادةً عبر استدانة وزارة المالية من المصرف المركزي وبالتالي يقوم المصرف المركزي بتنظيم سند على وزارة المالية لتسدد هذا الدين عندما يتاح لديها سيولة زمنية ضمن إطار زمني محدد، ومع تراكم هذه العملية سنة بعد أخرى أصبح الاقتصاد السوري يعاني من تضخم الكتلة النقدية وتآكل القدرة الشرائية، وهذا يحدث عملياً في كل الاقتصادات حول العالم لدى استخدام التمويل بالعجز، ولذلك تلجأ الدول عادةً إلى الاستدانة من المواطنين مباشرةً عبر إصدار أذونات خزينة قصيرة الأجل تتراوح مدتها بين 3 و9 أشهر تشتريها المصارف مقابل فوائد لتمويل عجز الموازنة، ويمكن هنا أن يقول بعض المسؤولين: إن أموال الأذونات مهمتها تمويل الشق الاستثماري من الموازنة، لكن يبقى العجز عجزاً والإنفاق الاستثماري في الموازنة هو إنفاقاً استثمارياً لا يحقق دخلاً لأنه يدخل في البنية الأساسية للاقتصاد، وبالتالي شئنا أم أبينا فإن العجز سيبقى مستمراً، ويجب وضع خطة اقتصادية تهدف إلى زيادة موارد الموازنة لتغطي نفقاتها.
وبدوره أوضح ديبو أنه ما من داع للقلق من إصدار أذونات الخزينة لأنها ليست طويلة الأجل، وخاصةً أن الدولة لن تبالغ في موضوع أذونات الخزينة لأن لديها موارد أخرى، وأذونات الخزينة تأتي حسب قوله لتقليص الفجوة بين المتاح والمخصص للاستثمار، وبيّن د. ديبو أن العقاري لن يتوانى عن شراء أذونات الخزينة في حال أصدرتها وزارة المالية، وليس هناك مشكلة في الأمر، وبالنسبة لعلاقة فائض السيولة بمعدلات الفائدة أوضح مدير العقاري أن فوائد القروض الموجودة في السوق المصرفية السورية هي فوائد تأشيرية أي ليس هناك إلزام بحد معين من الفائدة، والفائدة التأشيرية حسب قوله تعتمد على سياسة المصرف لجهة الإيداعات، فعندما يكون لدى المصرف حاجة إلى السيولة فإنه يرفع الفائدة على الإيداع وهذا سيدفع بطبيعة الحال إلى رفع الفوائد على الإقراض ما يؤدي إلى ابتعاد المستثمرين عن الاقتراض من المصرف، في حين يؤدي أو يساهم خفض أسعار الفائدة في دفع المستثمرين إلى الاقتراض بشكل أكبر من المصرف، فعندما تكون معدلات الفائدة على القروض سيحجم المستثمرون عن الاقتراض من المصارف لأن ذلك يرفع تكاليف المشروعات.
وعن دور المصارف في تعزيز الطلب المحلي باستخدام فائض السيولة لديها، أوضح ديبو أن للمصارف دوراً مهماً جداً في تنشيط الطلب ولكنه يعتمد حسب قوله على وجود الثقافة المصرفية لدى السكان، فثقافة الاستدانة لدى السوريين ليست محببةً كما هي في البلدان الأخرى، ولذلك فإن المصارف السورية ما زالت تقدم مثل هذه الخدمات التي تنشط الطلب الكلي بشكل بسيط نسبياً، فهذه المسألة بحاجة إلى ثقافة أكبر لدى المواطنين، وعادةً فإن الإقراض الاستهلاكي الذي تقدمه المصارف لتنشيط الطلب الكلي الاستهلاكي هو إقراض قصير الأجل يخدم المصرف والزبون في آن واحد، وبعض المصارف الخاصة السورية ينحى إلى هذا الاتجاه عبر تقديم الخدمات المشابهة لهذا.
|