كأس من الايديولوجيا
نبيل سليمان - تشرين   
07/ 03/ 2010

قبل خمس وعشرين سنة كان لقائي الأول بتونس وبمدينة قابس منها, حيث انعقدت ندوة (الرواية العربية بين الواقع والايديولوجيا), وبمشاركة محمود أمين العالم ويمنى العيد وعبد الرحمن منيف وجان فونتان (فرنسا) والتونسيّين محمد الباردي وعروسية النالوتي وفرج الحوار وحسين الواد وسواهم.

يومئذ كان سؤال الايديولوجيا الذاهبة يساراً قد بدأ يترنح, مثلما كان الاتحاد السوفييتي قد بدأ يترنح, بينما كان عصف الايديولوجيا الذاهبة يميناً قد بدأ. وسرعان ما فشا أن الايديولوجيا برمتها قد تولت بعد أن عبست, وقد كان فشوّ ذلك بخاصه بين ظهراني مثقفينا الأشاوس الذين أسرعوا يبدلون العمامة اليسارية بالعمامة الليبرالية, ويتبرؤون من شبهة اليسار القومي واليسار الماركسي, لاهجين بحمد العولمة والحداثة وما بعدها, ومن سوء حظهم أن كل هذا الدجل لم يطل ولم ينطل.

بعد خمس وعشرين سنة من تلك الندوة, عدت الأسبوع الماضي إلى قابس نفسها, حيث انعقدت ندوة (الرواية والايديولوجيا), التي نظمتها جمعية مركز الرواية العربية في قابس. وكنت قد شاركت في تأسيس هذا المركز الذي بادر إليه منذ عقدين الروائي والناقد محمد الباردي, كما بادر إلى تنظيم الندوتين المذكورتين. وممن شاركوا في الأخيرة أحمد المديني ومحمود طرشونة ومصطفى كيلاني ونجيب لعمامي وسواهم. غير أن المشاركة اللافتة كانت للجيل الأكاديمي الشاب الذي حمل الدكتوراة للتو, ممثلاً بشهلا العجيلي من سورية وسلوى السعداوي من تونس ولعموري الزاوي من الجزائر. والحق أن أولاء وأمثالهم في مختلف الأكاديميات العربية, هم الذين بهم يقوى الوعد بمستقبل النقد الأدبي والدرس الأكاديمي. ‏

خلال ربع قرن, شهدت الرواية العربية تطوراً (فادحاً) لم يتوافر لغيرها من ألوان الثقافة والإبداع. وقد سرت إلى بعض ذلك التطور تلك الرطانة التي طغت في النقد وفي الفكر والسياسة, أعني نهاية الايديولوجيا, وإيقاف مفاهيمها على المفهوم السلبي أو السالب. ‏

والتبشير بنقاء النص كنقاء الفكر من لوثة الايديولوجيا, وكنقاء الكفين من وسخ العالم, أي من الانشغال بهموم الآخرين أو بالقضايا العامة أو ما يسمى بالسرديات الكبرى, مقابل التركيز على الذات المهمشة أو الممجدة. ومن المفارقات هنا أنك ترى عجوزاً من سدنة الايديولوجيا الذين ناموا نومة أهل الكهف على الجمود والاجترار والجهالة والاستعلاء, فإذا ينهض اليوم مترنحاً, ليجدد وصايته على البشر, وتطويبه لأي من القضايا الكبرى والصغرى, وليجدد ازدراءه للذات والجسد والتجريب وأي اختلاف معه أو مغايرة له أو خدش لعصمته, وكل ذلك بدعوى ايديولوجية عتيدة ولكن ما لنا ولأولاء؟ لندعّهم في غيّهم يعمهون, ولنعد إلى ما تداولت فيه ندوة ( الرواية والايديولوجيا), من حيث إعادة الاعتبار للمعنى في الرواية وفي الإبداع بعامة, ومن حيث تجديد النظر في آليات بثّ النص للايديولوجيا, وفي الوسم الايديولوجي للنص, سواء أكان رواية أم نقداً أم سواهما, فبمثل هذا التجديد الذي يفيد من كل ما طرأ على كل مستوى (فلسفة ومناهج وصراعات وميديا وعلوم..) يوأد العزف الايديولوجي للسدنة القدماء, وللايديولوجيا التي تبث العنت بين البشر. ‏

Comments
أضف جديد بحث
علق
الاسم:
البريد الالكتروني:
 
العنوان:
Please input the anti-spam code that you can read in the image.

3.26 Copyright (C) 2008 Compojoom.com / Copyright (C) 2007 Alain Georgette / Copyright (C) 2006 Frantisek Hliva. All rights reserved."